نهلة أحمد تكتب: "19 ب".. لماذا لم يكن الفيلم مخلصًا لسينما أحمد عبدالله

سيد رجب في فيلم 19 ب سيد رجب في فيلم 19 ب
 

بعد غياب استمر لمدة أربعة أعوام منذ قدم فيلمه الأخير "ليل خارجي"، يعود المخرج أحمد عبدالله بفيلمه الجديد "19 ب" والذي تم عرضه لأول مرة ضمن المسابقة الدولية بمهرجان القاهرة السينمائي بدورته الـ44.

 

وتدور أحداث فيلم 19 ب حول حارس عقار يعيش حياة روتينية بمفرده في فيلا قديمة منذ ستينات القرن الماضي، ولكن يكسر استقراره شاب يريد اقتحام الفيلا واستخدامها لخدمة مشروعه الخاص.. فيجد حارس العقار المُسن نفسه في مواجهة لم يتوقعها.

الفيلم من تأليف وإخراج "أحمد عبدالله السيد"" انتاج "فيلم كلينك" ومن بطولة سيد رجب، أحمد خالد صالح، ناهد السباعي، وفدوى عابد.

 

من فيلم 19 ب
من فيلم 19 ب


 

بيت مهجور ومفكك وعلاقة جافة وباردة
 

على الرغم من أن فيلم "19 ب" لا يخلوا من العناصر والسمات الأساسية التي تميز سينما أحمد عبدالله، جاءت جميعها باهتة وضعيفة، غير مكتملة وتفتقد إلى قوة الحضور التي اعتادت أن تكون عليه.

فأحمد عبدالله هو أحد المخرجين الذين لهم أسلوبهم الخاص الذي يظهر في كل أفلامهم مهما اختلفت القصة أو الشخصيات، لذا دائمًا ما تكون له سمات أساسية في كل فيلم تستطيع من خلالها أن تميز بها بصمته دون الآخرين.

فهي سينما منشغلة دائمًا بأهمية "المكان" وعلاقته المتبادلة بالشخصيات التي تعيش به أو تمر عليه، في كثير من أفلامه نجد أن الشارع هو المكان الأساسي المشترك مثل فيلمي "ميكروفون" و"ليل خارجي"، وأحيانًا يكون البيت أو مكان العمل كما في فيلم "ديكور" على سبيل المثال. فالمكان له كيانه الخاص كأحد أبطال الحكاية، يشعر ويتحدث ليحكي قصته، ولا تستطيع أن تفصله بعيدًا عن حكايات الشخصيات الأخرى، بل في بعض الأحيان، كما في فيلم "فرش وغطا" يكون المكان بشوارعه ومبانيه الشاهد والراوي الوحيد للقصة التي يتناولها الفيلم، فتتشابك المشاعر ويصبح المكان بشخوصه كيانًا واحدًا.

أما في "19 ب" فالمنزل الذي يعيش فيه الحارس ليس سوى كتلة خرسانية جامدة، وعلى الرغم من أن الكاميرا تأخذنا في أرجاءه على مدار الفيلم لنتعرّف عليه، لا تمنحه صوتًا خاصًا به أو طابعا متفردا.. فهو مجرد بيتٍ خاوٍ، متهالكٍ ومتداعٍ، يراقبه المُشاهد من على مسافة بعيدة دون الشعور بأنه ينتمي إلى أيا من زواياه.

كما أن العلاقة التي تجمع البيت بحارسه، وعلى الرغم من أن كلاهما مرآة للآخر، بكل هزائمهما وحياتهما الضائعة، نجدها علاقة جافة وباردة لا نرى فيها الحميمية المُنتظرة بين حارس ومنزل قد قضى أغلب حياته في الاعتناء به ورعايته، فالمشاعر الوحيدة التي نراها مشاعر امتلاك وخوف من فقد الشيء الوحيد الذي أفنى عمره عليه، مما يضع حاجزا كبيرا بين المُشاهد وبين تلك العلاقة


 

شخصيات سطحية و ذوات ضائعة
 

وبداخل تلك الأماكن، يسكن أبطال أحمد عبدالله. هائمين على وجوههم يبحثون عن شيء ما.. يجمعهم التيه، التشتت، الحيرة والتعلق بالماضي.. مهما اختلفت القصة التي يقدمها المخرج فإن جميع أبطاله عالقين داخل نفس المتاهة،.. (إبراهيم) أو (هاني) في "هليوبوليس" لا يختلفون كثيرًا عن (خالد) في "ميكروفون"، و(مها) في "ديكور" تشبه (توتو) في "ليل خارجي" أو (إنجي) في "هليوبوليس"، فبينما يضع كل منهم قدم مرتجفة لتتجه نحو المستقبل، لا تزال الأخرى عالقة في خيالات ماضٍ ولّى ولن يعُد. وعلى الرغم من تشابه تلك المتاهات من الخارج إلا ان داخلها ينتمي فقط لرحلة كل فرد منهم.

والأمر في 19 ب، من حيث اختيار الرحلة التي يتعين على الأبطال خوضها، لا يختلف كثيرًا، فإننا أمام شخصيتين رئيسيتين أحدهما الحارس المسن الذي يحاول التمسك برفات منزل قديم ويرفض المُضيّ قُدمًا حتى وإن كان يعلم أنه ضرورة، وأمام "سايس" شاب يحاول أن ينتقم لنفسه من الظلم الذي ظن أنه تعرّض له سابقًا، فيتخذ البلطجة والفهلوة أسلوبًا في تعامله مع سُكّان العمارات حيث يعمل، متخيلًا أن ذلك سيمنحه مستقبلًا أفضل.

لكن تفاصيل تلك الشخصيات وعلاقتهم سويًا ومع من حولهم سطحية بشكل كبير، والطريقة التي اعتاد أحمد عبدالله أن يقدم بها الشباب وصراعاتهم الداخلية مفقودة هنا، فنحن لا نراهم من خلال عيونه كما كان الأمر في السابق، بل نراهم من وراء حاجز وهو الأمر الذي جعل من الصعب التواصل مع ذوات تلك الشخصيات ودوافعهم مما أدى إلا انفصال كُلي من جهة المُشاهد في لحظة المواجهة بين الحارس والسايس، فيصبح الأمر كأنك تشاهد من داخل بيتك مشاجرة تدور في الشارع، تنتظر معرفة الفائز دون أن تكون طرفًا فيها.

 

المخرج احمد عبد الله
المخرج احمد عبد الله

 

شريط صوت مشتت وباهت
 

في كل رحلة يتتبعها المخرج بكاميرته، هناك شريط صوت يلازمها، بطل آخر من أبطال الحكاية، فنعرف الأبطال بأغنية، ونرى الشارع بأغنية أخرى، موسيقى تدور دائمًا في خلفية الحياة التي يرسمها لتكتمل بها اللوحة.

هذا عنصر آخر مميز في سينما أحمد عبدالله، فمع اختلاف الطريقة التي يتناول بها رحلة أبطاله، ومع اختلاف ذوات هؤلاء الأبطال، يتشكل شريط الصوت ليصبح جزءًا آخرًا من تكوينهم، يفتح لنا بابًا يُمكّننا من استراق النظر إلى ما يعتمل بداخلهم.

فإذا اعتدت التفكير في معظم أفلامه تجد أنك تتذكر بوضوح شريط الصوت الخاص بكل واحدًا منهم، "ميكروفون" حيث فرق الأندرجراوند التي آنذاك كانت تعبر عن أحلام الشباب وطموحاتهم في مستقبلًا مختلف أو قصة حب صادقة، و"هليوبوليس" حيث الفرص الضائعة والآمال غير المكتملة، و"ليل خارجي" الذي تجد القاهرة بأكملها داخل شريط الصوت بينما تكشف عن أوجه جديدة لها في كل زاوية.

أما في 19 ب فشريط الصوت يفتقد إلى شخصية واضحة، ينتقل من أغنية على الراديو إلى أغنية أخرى دون رابط بينهم وبين الحارس، فلا ترى انعكاس أيا منهما على الآخر ويعجز شريط الصوت عن القيام بدوره كأحد الشخصيات داخل الفيلم ويصبح عبارة عن بضعة أغاني مشتتة لا تعلم شيئًا عن القصة التي تدور حولها.

 

لكل هذه الأسباب، كانت بصمات أحمد عبدالله على "19 ب" باهتة ومفككة، عاجزة عن خلق العالم الذي طالما تمكن من خلقه حتى ولو بدرجات متفاوتة، واصبح الفيلم محاولة جيدة لم تكتمل بعد، وقصة كان لديها فرصة حقيقية في أن تُحكى بكل واقعيتها وصدقها بشكل أفضل وأعمق.

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر