جمال عبد الناصر يكتب : النبي محمد في مسرح فولتير.. بين تعصّب النص وعدالة التاريخ

فولتير وجمال عبد الناصر فولتير وجمال عبد الناصر
 
كتب : جمال عبد الناصر

 

يبدو اسم الفيلسوف الفرنسي فولتير دائمًا مرتبطًا بفكرة التنوير، وحرية العقل، والتمرد على سطوة المؤسسة الدينية، لكن هذا الاسم نفسه يثير كثيرًا من الجدل حين نقترب من مسرحيته الشهيرة ( النبي محمد أو التعصب " ، فتلك المسرحية التي قُدمت لأول مرة بمدينة ليل الفرنسية في 25 أبريل 1741، وبدت للكثيرين وكأنها هجوم مباشر على الإسلام والنبي محمد ﷺ، ولكن القراءة المتأنية لفولتير نفسه، ولسياق عصره، تكشف أن القضية أكثر تعقيدًا من مجرد كاتب أوروبي يهاجم الإسلام، فالرجل الذي كتب المسرحية بدا في أحيان كثيرة متناقضًا مع نفسه، أو ربما كان يستخدم الإسلام كمرآة رمزية ليهاجم من خلالها التعصب الكنسي المسيحي الذي كان يهيمن على أوروبا في ذلك الوقت.

في الثلاثين من مايو 1778 رحل فولتير عن عالمنا عن عمر ناهز الثالثة والثمانين، ولأن ذكرى رحيله تمر الآن، وجدتني أبحث : ماذا يمكن أن يُكتب عن هذا الرجل الذي شغل أوروبا قرونًا بأفكاره وتمرده وأسئلته ؟ لكنني توقفت طويلًا أمام ما كتبه عن نبينا محمد ﷺ، خير الأنام، وتحديدًا مسرحيته الشهيرة ( النبي محمد أو التعصب)، فقد قرأت المسرحية في لابن المقفع، فوجدت أن عالمها الدرامي لا يمت بصلة حقيقية إلى التاريخ الإسلامي، وأن شخصياتها وأحداثها أقرب إلى التخييل المسرحي منها إلى الوقائع التاريخية، فالأسماء المستخدمة مثل عمر والزبير وزينب ليست هي الشخصيات الحقيقية المعروفة في التاريخ الإسلامي، بل مجرد أقنعة درامية استخدمها فولتير داخل نصه المسرحي لتحقيق غايات فكرية وفلسفية تتجاوز الإسلام ذاته.

ومن هنا بدأت رحلتي مع هذا النص : لماذا كتب فولتير هذه المسرحية بهذه القسوة ؟ وهل كان يهاجم الإسلام فعلًا، أم كان يستخدمه رمزًا للهجوم على تعصب الكنيسة الأوروبية في عصره؟ ولماذا عاد الرجل نفسه بعد سنوات ليتحدث عن الإسلام والنبي محمد ﷺ بكلمات مختلفة تمامًا، بل أقرب إلى الإنصاف والإعجاب؟

أسئلة كثيرة دفعتني إلى البحث والتدقيق، ليس فقط في المسرحية، بل في فولتير نفسه ، ذلك المفكر الذي بدا أحيانًا وكأنه يحاكم العالم كله، قبل أن يجد نفسه محاصرًا بتناقضاته الخاصة.

لقد كتب فولتير المسرحية في عصر كانت فيه أوروبا غارقة في صراعات دينية وطائفية، وكانت الكنيسة تمتلك سلطة هائلة على الفكر والسياسة والمجتمع، ولم يكن من السهل على مفكر أن يهاجم المؤسسة الكنسية بشكل مباشر دون أن يدفع ثمنًا قاسيًا، ولهذا يرى عدد من المؤرخين والباحثين أن فولتير لجأ إلى (القناع الإسلامي) كي يمرر نقده الحقيقي للمسيحية المتعصبة، ومن أبرز من أشاروا إلى ذلك المؤرخ الفرنسي المتخصص في دراسة الفاشية بيير ميليز، الذي أكد أن الإسلام لم يكن الهدف الحقيقي للمسرحية، وأن فولتير ـ كعادته ـ كان يستخدم الحكاية الظاهرة ليصيب هدفًا آخر مستترًا، وهو التعصب الديني المسيحي في أوروبا.

واللافت أن هذا التفسير يجد ما يدعمه في كتابات فولتير نفسه، خصوصًا في سنواته الأخيرة، حين بدا أكثر إنصافًا للإسلام ولنبي الإسلام ﷺ، ففي عام 1772 كتب فولتير كلامًا يكاد يناقض الصورة التي قدمها في المسرحية، فقال عن الإسلام: (إن دينه حكيم ومستقيم وعفيف وإنساني) .. ثم راح يعدد ما رآه من قيم أخلاقية في الإسلام؛ من تحريم الخمر والميسر، إلى تنظيم الزواج، إلى فرض الزكاة، وصولًا إلى قيم الصدق والتسامح.

هنا يبرز السؤال الحقيقي : هل كان فولتير مضطربًا فكريًا ؟ أم أنه كان مفكرًا براجماتيًا يستخدم الرموز والأقنعة الأدبية ليقول ما لا يستطيع قوله مباشرة؟

ربما لا يمكن تبرئة المسرحية من الصور السلبية التي قدمتها عن النبي محمد ﷺ، فهي بالفعل تحمل رؤية أوروبية متأثرة بأحكام عصرها الاستشراقية، وفيها قدر من الظلم التاريخي للإسلام ورسوله، لكن في الوقت نفسه، فإن اختزال موقف فولتير كله في هذه المسرحية وحدها يبدو تبسيطًا شديدًا لشخصية فكرية معقدة ومتقلبة، فولتير لم يكن مؤمنًا بالديانات التقليدية بقدر ما كان مؤمنًا بالعقل، وكان عداؤه الأساسي موجّهًا ضد التعصب الديني أيا كان شكله، ولذلك امتدح أحيانًا بعض جوانب الإسلام حين رآها أكثر تسامحًا أو عقلانية من الواقع الأوروبي في عصره.

ولعل كلامه عن التسامح الديني يكشف هذه المفارقة بوضوح؛ ففي الوقت الذي كانت فيه الأقليات اليهودية والمسيحية تعيش داخل الدولة العثمانية بقدر من الحماية والوجود الاجتماعي، كانت أوروبا تمارس أشكالًا قاسية من الاضطهاد الطائفي والديني، ولهذا وجد فولتير في التجربة الإسلامية أحيانًا ما يدعم نقده لأوروبا نفسها.

إن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف بأن صورة النبي محمد ﷺ في الوعي الأوروبي القديم لم تكن دائمًا عادلة، وأن كثيرًا من المفكرين كتبوا عن الإسلام عبر تصورات مسبقة أو لأهداف سياسية وفكرية تخص مجتمعاتهم هم، لكن الإنصاف نفسه يقتضي أيضًا التمييز بين استخدام فولتير الرمزي للإسلام في معركته ضد الكنيسة، وبين حقيقة الرسالة الإسلامية ذاتها، التي قامت على قيم التوحيد والعدل والرحمة والتكافل الإنساني.

ولهذا تبقى مسرحية " النبي محمد أو التعصب" نصًا إشكاليًا؛ ليس لأنها تهاجم الإسلام فقط، بل لأنها تكشف أيضًا تناقضات أوروبا التنويرية نفسها: أوروبا التي رفعت شعار العقل، لكنها كثيرًا ما نظرت إلى الشرق بعين متعالية، وأوروبا التي تحدثت عن الحرية، لكنها احتاجت أحيانًا إلى " الآخر" كي تهاجم ذاتها من خلاله، وربما كان فولتير، في النهاية، أقل عداءً للإسلام مما بدا في مسرحيته وأكثر عداءً للتعصب مما ظنه الجميع.

ولعل واحدة من أكثر المفارقات دلالة في حياة فولتير، والتي تكشف هذا التذبذب الفكري والإنساني لديه، أنه قبل وفاته بشهر واحد فقط انضم إلى المحفل الماسوني الشهير La Loge des Neuf Soeurs في باريس، وذلك في الرابع من أبريل عام 1778، برفقة السياسي والمفكر الأمريكي بنيامين فرانكلين، وهناك حصل فولتير على رتبة "مبتدئ" داخل التنظيم الماسوني.

هذه الواقعة لا تبدو مجرد تفصيل عابر في سيرة الفيلسوف الفرنسي، بل تكشف طبيعة شخصيته المتقلبة والمفتوحة على التحولات حتى اللحظات الأخيرة من حياته، فالرجل الذي قضى عمره في مهاجمة المؤسسات العقائدية المغلقة، انتهى به الأمر داخل تنظيم تحيط به الرموز والطقوس والأسرار، ولهذا يرى بعض الباحثين أن انضمامه ربما لم يكن نابعًا من إيمان عميق بالماسونية بقدر ما كان مجاملة لصديقه بنيامين فرانكلين، أو تعبيرًا عن رغبته في البقاء داخل دوائر النخبة الفكرية والسياسية في عصره.

ومن هنا تبدو شخصية فولتير أكثر تركيبًا مما يظن البعض؛ فهو لم يكن صاحب موقف ثابت بقدر ما كان عقلًا قلقًا، يتحرك بين الإعجاب والنقد، وبين الهجوم والتقدير، وبين الثورة على المقدسات والبحث عن منظومة أخلاقية بديلة.

ولذلك فإن تناقضه الظاهري في موقفه من النبي محمد ﷺ والإسلام لا يمكن فهمه بمعزل عن هذه الطبيعة الفكرية المتغيرة، ففولتير الذي قدّم في مسرحيته صورة قاسية ومشحونة بالتعصب، هو نفسه الذي عاد في أواخر حياته ليمدح الإسلام باعتباره دينًا (حكيمًا ومستقيمًا وإنسانيًا)، وكأن الرجل كان يصارع طوال حياته بين صورٍ ورثها عن الشرق، وحقائق اكتشفها لاحقًا بعقله وفلسفته وتجربته الإنسانية.

 

 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر