حدوتة الملكة حتشبسوت التى ألفتها فنيمت المصريين جميعا

حتشبسوت حتشبسوت
 

نسير فى الحياة عبر رقعة كبيرة مقسمة بالتساوى إلى مربعات بعضها ناصع البياض وبعضها قاتم سوادها وعليها يقف البشر وفقا لقلوبهم، فمنا من منحه الله قلبا أبيض وسيرة عطرة فوضعه التاريخ فى موضعه على الرقعة البيضاء، ومنا من تملك السواد من قلبه فكانت الرقعة السوداء مصيره، وبين كل هذا نسوة أثرن فى الحياة خيرا وشرا ووقفن داخل الرقعتين أو تنقلن بينهما، ومن خلال هذه السلسة نحاول النظر إلى سيرتهن نظرة أخرى دون الحكم على واحدة منهن أو التأثر بإيمانها أو كفرها، فقط تناول سيرتها كأنثى أثرت فى الحياة ولكم وحدكم الحكم.

 

العبرة فى كثير من القصص لا تكون بعظمة الإنجاز المحقق، ولا بالتخطيط الجيد للأهداف والوصول إليها، إنما تكون العبرة وتتلخص العبقرية فى الطريقة المستخدمة للوصول للهدف وتحقيق الإنجازات، ويمكننا القول إنه وعلى الرغم من إنجازاتها العظيمة التى خلدها التاريخ وسجلها على جدران المعابد، وفى برديات مصر الفرعونية، تبقى الطريقة التى استخدمتها الملكة حتشبسوت للوصول إلى حكم مصر هى الأكثر عبقرية وتأثيرًا فى القصة، فقد أدركت الملكة اللعبة السياسية ودور الدين فيها، وبحكم قربها من الفرعون، والدها تحتمس الأول، ومن كهنة معبد آمون، فقد تعلمت أن الحكم يبدأ وينتهى عند هؤلاء الكهنة الذين يباركون الفرعون ابن الإله وفقًا لمزاعمهم، فأدرك عقلها أن توليها حكم مصر قد يكون أمرًا مستحيلًا، نظرًا لكونها امرأة، وهو ما يرفضه الكهنة والشعب معًا، لكن هذا المستحيل قد يصير حقيقة إذا ما استخدمت نفس طرق كهنة المعبد، فتتحدث بلغتهم وتفاوضهم بما يدركونه، وتزعم أنها ابنة الإله آمون، وأنه جاء إليها فى المنام وأوصاها بحكم مصر.

33670-حتشبسوت
 
كانت حتشبسوت كغيرها من أبناء ملوك الفراعنة وبناتهم تتلقى العلوم وتدرس وتتعلم الفنون، وكانت بالغة الذكاء والجمال معًا، فكانت هى الابنة الشرعية الوحيدة للملك تحتمس الأول، الذى كان يحبها ويدللها ويقربها من الحكم، ويطلعها على خفاياه وطرقه، وكانت تجلس معه على العرش حتى عمر الثانية عشرة، الوقت الذى توفى والدها فيه وفقًا للتاريخ، بعدها اضطرت حتشبسوت للزواج من أخيها تحتمس الثانى، وهو ابن تحتمس الأول من إحدى المحظيات، وكان زواج الأخ من أخته وقتها أمرًا معروفًا بين أبناء الملوك للحفاظ على نقاء دمائهم، كما أنها كانت وصية والدها، ويمكن القول إنها قبلت بهذا الزواج لأنها كانت تعلم أن الشعب لن يسمح لها بالحكم، فيجب أن يكون الفرعون رجلًا، كذلك سيعترض الكهنة على جلوسها على العرش، وهو الأمر الذى تراه من حقها أكثر من أخيها الذى أنجبه والدها من محظية، فقبلت الزواج تمسكًا بالحكم، وساعدها على ذلك أنها تعلم أن زوجها وأخاها تحتمس الثانى شخص ضعيف، لا دراية له بأمور الحكم، فتزوجته وحققت ما تريد، فكان هو الفرعون أمام الناس، لكن فى الحقيقة هى من كانت تحكم وتدير الأمور حتى توفى زوجها تحتمس الثانى، ومن هنا بدأت تفكر كيف تبقى على العرش، خاصة بعد أن مات زوجها، وأوصى بتولى ابنه تحتمس الثالث، وهو أيضًا ولد من محظية وليس من صلب حتشبسوت التى أنجبت بنتًا، فقررت أن يكون تحتمس الثالث هو الملك لكن تحت وصايتها.
 
فكرت الملكة حتشبسوت فى طريقة تستحوذ بها على الحكم، فلم تجد أمامها سوى كهنة المعبد، فهم من يباركون ويقنعون الشعب، هى أدركت أن الكهنة يخلطون الدين بالسياسة، ويتدخلون باسم الإله فى أمور الحكم، فاستخدمت ضدهم نفس السلاح، وأمرت بكتابة حكاية على إحدى البرديات فى المعبد تقول إن الإله آمون قد حلّ فى مخدع أمها وتزوج بها، وكانت هى نتيجة هذا الزواج، وأنها الابنة الشرعية للإله آمون، ثم أخبرت الكهنة أن آمون قد حل لها فى المنام ورشحها لحكم مصر، فانقسم الكهنة بين مؤيد ومعارض للأمر، وهو نفس موقفهم وقت توليها الحكم من تحتمس الثانى، فبعضهم كان يرى أنها أحق بالحكم لأنها الابنة الشرعية لتحتمس الأول، بينما رفض البعض لأنها أنثى، لكن الأمر استقر فى النهاية على توليها الحكم بعد موافقة أغلب الكهنة، بعدها علمت أن هناك معركة أخرى يجب خوضها مع الشعب، الذى يرفض أن تجلس على عرش بلاده سيدة، فقامت بالتنازل عن أنوثتها، مقابل نيل رضا الشعب، على الرغم من أنها اشتهرت بحبها لأنوثتها، فقد كانت تعمل على إخفاء عيوبها كأنثى، فترتدى القفازات دائمًا فى يدها لتخفى عيبًا خلقيًا فيها، وأن لديها 6 أصابع، كما كانت ترصع هذه القفازات بالمجوهرات الثمينة، وكانت تتزين حتى تولت الحكم، وقررت التنازل تمامًا عن أنوثتها والظهور بمظهر رجل، فغيرت اسمها من حتشبسوت إلى حتشبسو، وهو المذكر من اسمها، وأزالت شعرها تمامًا، وتخلت عن الزينة، وقامت بتركيب «الذقن» المستعار كالفرعون الرجل فى التماثيل، وطلبت من النحاتين نحتها على أنها رجل فى المعابد بوجهها وجسم رجل، حتى استطاعت نيل رضا الشعب، وحصلت على كل الألقاب الملكية التى يحصل عليها الفرعون الرجل، وكان أهمها بالنسبة إليها «صنيعة آمون»، وهو الاسم المقرب، نظرًا لكون هذا الاسم هو ما جعلها تتفرد بالحكم من خلال نسج حكاية من تأليفها بأنها ابنة آمون، الذى أوصى بحكمها، وبالطبع لم تنسَ تحتمس الثالث، حيث كانت بينهما صراعات عدة على الحكم، وحاولت أن تتخلص من السم الذى يحمله بداخله أيضًا بعد أن استبعدته وتعاملت معه بقسوة فزوجته ابنتها حتى يكون هو الوريث الشرعى للحكم من بعدها، لكن المعارك بينهما ظلت قائمة.
 
وسط هذه المعارك كان لحتشبسوت مجلس من النواب والمستشارين، ومن بينهم مهندس معمارى يدعى سنمموت أو سنموت، ويقال إن قصة حب عظيمة كانت بينهما، لدرجة أنها سمحت له ببناء غرفة دفن له فى معبدها، وكانت موصولة بغرفة دفنها، كما بنى لها معبد الدير البحرى، الذى عُرف بأنه من أجمل المعابد الفرعونية على الإطلاق، وسمحت حتشبسوت لسنموت أن ينحت لنفسه تماثيل بجوار تماثيلها وهو يقف بجانبها، وقد كانت فترة حكمها من الفترات التى ازدهرت فيها التجارة والعلوم والفنون والعمارة، فحرصت على تعزيز الوضع الاقتصادى، واهتمت ببناء وترميم المعابد، وخصصت معبدها لعبادة الإله آمون، على اعتبار أنه والدها، وأنشات أسطولًا بحريًا لخدمة البعثات والقوافل التجارية، وظلت على الحكم حتى وفاتها، التى لا تزال غامضة حتى يومنا هذا، فالبعض يقول إنها كانت مصابة بالسرطان نتيجة استخدامها لدهان على جلدها، فيما يقول البعض إن تحتمس الثالث هو من قتلها، وعزز ذلك القول قيام تحتمس الثالث بمحو كل آثارها من المعابد وكسر التماثيل، وأحاط مسلاتها الخاصة بالجدران، وذلك لمحو ذكراها من التاريخ، لكنه فى الحقيقة لم ينجح، ويعود الفضل فى ذلك لها وحدها، لأنها وضعت بصمتها القوية فى تاريخ مصر، فتعلمت أن تتحدث إلى الناس بلغتهم هم، فتفاوضت مع الكهنة بما يفهمونه، وتقربت للشعب بما يحبه، فكانت من أقوى الملكات اللاتى عرفتهن مصر والعالم.

اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر