سينما العشوائيات.. من «حين ميسرة» لـ«عبده موتة» يا قلبى احزن

عمرو سعد عمرو سعد
 
مصطفى القصبى

اللغة السينمائية تدفع كل فنان كى يعبر من خلالها عما فى نفسه، لذلك أخذت السينما مكانها الكبير بين الفنون الأخرى، ومنذ نشأتها بخطوات بطيئة ثابتة شهدت الشاشة تحولات كبيرة فى المعنى والمضمون والشكل والصورة واللغة، لكن وسط تحولات السينما المتعددة والمختلفة عبر سنواتها الطويلة نقف أمام موجة أفلام العشوائيات التى اجتاحت السينما عام 2007 مع عرض فيلم "حين ميسرة" بطولة عمرو سعد وإخراج خالد يوسف، وبدأ يظهر من وقتها مصطلح "سينما العشوائية" ونتج عنها أفلام (إبراهيم الأبيض، كباريه، الفرح، ساعة ونص) وغيرها، حتى ازدادت الموجة بعد 25 يناير وأصبحت أفلام المرحلة التى تلت الثورة هى (عبده موتة، قلب الأسد، القشاش، ولاد رزق، صرخة نملة، وش سجون، سالم أبو أخته) وغيرها، فى هذا التقرير محاولة لرصد عشوائية السينما المصرية كيف كانت وإلى أين وصلت.

"حين ميسرة".. النار أولها الشرر

قبل "حين ميسرة"، كانت السينما المصرية تقدم أنماطا تقليدية واحدة هى الفيلم الكوميدى والاجتماعى والرومانسى، على سبيل المثال فى العام الذى سبق "حين ميسرة" شهدت دور العرض أفلام "90 دقيقة، أوقات فراغ، أيظن، الرهينة، جعلتنى مجرما، زى الهوا، ظاظا، ظرف طارق"، حتى جاء ديسمبر من عام 2007 وقتها كان السوق السينمائى مع موعد بالتغيير فى شكل المادة الدرامية والفيلمية المطروحة فى الشريط السينمائى "حين ميسرة" للنجم عمرو سعد والمخرج خالد يوسف والمؤلف ناصر عبد الرحمن، نجح الفيلم نجاحا رهيبا وصار حديث المدينة وقتها، وحقق أرباحا عالية وصلت حد 27 مليون جنيه فى ظل السعر الرمزى لتذكرة السينما فى ذلك الحين، وذكر الناقد نادر عدلى أن "حين ميسرة أثار ضجة هائلة إعلاميا نتيجة سلوكيات بعض شخصيات الفيلم وضربها لقيمة المجتمع عرض الحائط، واعتبار هذه المناطق مصدرا لتفريغ المجرمين وتجار المخدرات وجذب شباب للعمل مع الجماعات الإرهابية".

ويعتبر البعض أن فيلم "حين ميسرة" هو الأول من نوعه عن العشوائيات، لكن كان قد سبقه فيلم "سارق الفرح" للمخرج داود عبد السيد، لكنه لم يحقق أى مردود، ما جعل كثيرون يؤرخون أن "حين ميسرة" هو أول الأفلام، التى فتحت باب العشوائية فى السينما نظرا للضجة الكبيرة التى أحداثها الفيلم، حتى أن المنتجين نهجوا نفس نهج "حين ميسرة" وظهر بعده مباشرة فيلم "إبراهيم الأبيض" للنجم أحمد السقا والمخرج مروان حامد، وربما كان الفيلم أكثر دموية من حين ميسرة، لكنه يتشابه مع نفس العالم.

المفارقة أن المخرج خالد يوسف كان متخوفا من إخراج "حين ميسرة"، لكن بطل العمل عمرو سعد أصر كل الإصرار على تنفيذه بنفس الشكل ونفس السيناريو الذى كتبه ناصر عبد الرحمن، وكان لا يملك وقتها إلا موهبته وإصراره، فليس لديه جماهيرية يعتمد عليها، ومع إصراره وافق خالد يوسف، ليخرج الفيلم ويحدث انقلابا فى السوق السينمائى ويكون سببا فى فرز سينما العشوائية، ووقف عمرو سعد يناطح ويبارز نجوم الصف الأول.. وقتها استغرب المنتجون أن يعتلى الساحة بطل أسمر نحيف، يتفوق على نجوم الصف الأول فى الإيرادات وأرقام شباك التذاكر، ما دفع كثيرين لإعادة حسابهم من جديد، ومنذ ذلك الحين انفتح باب العشوائية.

 
افيش
 
 
"إبراهيم الأبيض".. النجاح يأتى من العشوائية

بعد نجاح "حين ميسرة" وتحقيقه أرباحا عالية، اتجه بعض المنتجين والنجوم لنفس التيمة خصوصا أنها لاقت قبولا كبيرا عند الجمهور، وجاء فيلم "إبراهيم الأبيض" بطولة النجم أحمد السقا، عام 2009، ليستكمل موجة أفلام العشوائيات والبلطجة التى افتتحها "حين ميسرة"، وحقق الفيلم نجاحا كبيرا، وصار أبطاله علامة مثل "الأبيض" أحمد السقا، و"زرزور" الراحل محمود عبد العزيز، ولم يهتم أحمد السقا مثل عمرو سعد بالانتقادات التى وجهت إليهما فى انعكاس هذه الصورة من المجتمع، معتمدين على أنهما يقدمان للمشاهد واقع مجتمعى خطير ويدقان ناقوس الخطر تجاه تلك المجتمعات.

ابراهيم الابيض
 
محمد رمضان يستكمل الرحلة بـ"الألمانى وعبده موتة وقلب الأسد"

لا أحد ينكر أنه قبل 25 يناير كانت أفلام العشوائيات ذات قيمة فنية ورؤية حقيقية تحمل رسالة وهدف سواء (حين ميسرة، إبراهيم الأبيض، الفرح، ساعة ونص)، بخلاف ما حدث عقب الفوضى التى لحقت بالبلاد بعد 25 يناير 2011، وتبدلت القيمة الفنية بالفوضى الفنية، ووصلت العشوائية أسوء مراحلها، وواكب هذه الفترة عرض فيلم "عبده موتة" بطولة محمد رمضان، ونجح الفيلم فى تحقيق أرباح معتمدا على الخلطة السحرية من "حين ميسرة وإبراهيم الأبيض" لكن بمعالجة مستهلكة وضعيفة عن الفيلمين، وكان هذا شعار جديد لمرحلة ما بعد 25 يناير.

استكمل محمد رمضان رحلته مع أفلام العشوائية بـ"قلب الأسد" وظهر على الساحة منافسين آخرين بأفلام تعتمد على "السنجة والرقصة"، من بينها (القشاش، وش سجون، سالم أبو اخته) وغيرها، وجميعها كانت خليطا من أفلام العشوائيات السابقة مع افتقاد الرؤيا والقيمة الفنية والرسالة.

عبده موتة
 
 
هل نجحت سينما العشوائيات فى عكس صورة الشارع؟
 
بقى السؤال هل نجحت سينما العشوائيات فى عكس صورة الشارع؟ البعض يربط بين أفلام العشوائيات، وبين البطل الشعبى وزمن الإجرام الجميل الذى كان أبطاله فريد شوقى، محمود المليجى، لذلك يتمنون عودة عصر ملك الترسو، إنما الغزو الأخير الذى بدأه عمرو سعد وأحمد السقا واستكمله محمد رمضان ما هو إلا صورة تعكس ما وصلنا اليه من انحدار مجتمعى وطبقى، وكل فنان يقدم واقعه، وربما كان واقع فريد شوقى أكثر جمالا من واقع "عادل حشيشة" فى "حين ميسرة و"إبراهيم الأبيض" و"عبده موتة".

اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر