إنعاش الكتابة للجريمة فى أبواب الشك

سارة فؤاد سارة فؤاد
 
تحليل تكتبه سارة فؤاد

"آفة الكتابة التطويل"

عادة ما يحاول الكاتب أو مؤلف أى عمل درامى أن يقدم فكرته فى أحداث يفرشها على مدار 30 أو 45 أو 60 حلقة بصرف النظر عن كوّن أحداث العمل الفنى تتحمل ذلك أو لا لأنها فى معظم الأحوال يصيبها آفة المط والتطويل، لذلك عندما يُنتج عمل فنى مصرى فى 60 حلقة ويتميز بالإثارة والتشويق والتفاصيل الجديدة المُضافة فى كل حلقة التى تسحب المتلقى لعالمها يوما بعد يوم، فيجب هنا أن نرفع القبعة لذلك العمل الفنى.

أشير هنا إلى المسلسل المصرى "أبواب الشك" للمؤلف محمد ناير، والمخرج أحمد سمير فرج، وبطولة مجموعة من النجوم الشباب، منهم خالد سليم ولقاء الخميسى وطارق صبرى وتامر شلتوت وعائشة بن أحمد، وهو مسلسل بوليسى يقوم على خط درامى واحد متعلق بجريمة قتل "ساره" ويُتهم فيها زوجها ظلما وتدور الأحداث فى محاولة الزوج –بعد قضاء مدة سجنه- معرفة القاتل الحقيقى بمساعدة أصدقائه الذين يُعتبرون خطوطا درامية متفرعة من الخط الدرامى الأساسى للمسلسل، خطوط تساهم فى دفع الحكاية وكشف لغز الجريمة، نسيج درامى مبدع خرج به طاقم العمل يناسب دراما الجريمة من إيقاع لا سريع ولا بطىء يقدم فى كل حلقة معلومة وتفصيلة صغيرة أو كبيرة يشاغب بها ذكاء المتلقى، ويتحداه أن يفك اللغز ويصل للحقيقة، خاصة أن حقيقة الحكاية بعيدة كل البُعد عن توقع أى من المتلقين، وخاصة ممن يقال عليهم "محترف أو صايع دراما وسينما" الذين يبحثون عن الحقيقة بطريقة "دوّر على أكثر شخصية بالعمل بعيدة كل البُعد عن تفكيرك لتكون هى حل اللغز أو بمعنى أصح  expect the un expected، لكن هذا العمل الفنى فاق كل التوقعات، وذلك ما يميزه فقد خرج عن الصندوق تماما.

ما ساعد على إضفاء التشويق وبطبيعة دراما الجريمة إعتماد مسلسل "أبواب الشك" على حبكة "الكشف" وهى اكتشاف الحقيقة على مراحل مما يجبر المتلقى على مشاركة أبطال العمل فى الوصول لتلك الحقيقة وربط الأحداث بعضها ببعض وفتح أبواب الشك على الجميع، حيث تشك اليوم فى شخصية ما أن تكون وراء ما يحدث وغدا تشك فى أخرى، مما يسمى المعايشة الكاملة للحكاية التى تتابعها كمتلقى، فتعيش داخلها وتلبس رداء أحد شخصيات العمل وتأخذ صفة، ومنها تبدأ رحلتك، رحلة الاستكشاف والتعاطف والمعايشة، ففى هذا العمل أنت مستمتع حق الاستمتاع بكل مشهد ولست مجرد متشوق لمعرفة النهاية، خاصة أن العمل الفنى يقوم على أكثر من صراع، صراع خارجى بين البطل والكشف عن الحقيقة، وعدة صراعات فرعية منها الخفية والمُعلنة بين شخصيات العمل تكتشفها واحدة تلو الأخرى، وجميعها تخدم الصراع الأساسى بالعمل الفنى، وتلك هى الحرفية والإبداع.

أى عمل فنى ناجح لا يقوم على فكرة قوية فقط أو نص مكتوب ببراعة لكن يجب أن يتحول ذلك النص والحوار المكتوب إلى جسد وروح مُطعم بالأداء على الشاشة وهم أدوات التوصيل والوصول للمتلقى، وما بها من حساسية ومخاطرة كبيرة فى إختيار تلك الأدوات التى إما أن تأخذ العمل الفنى لسابع سما أو تخسف به لسابع أرض وكأنه لم يكن، مخاطرة كبيرة نجح فى اجتيازها طاقم من الممثلين الشباب المبدعين حيث تم اختيارهم بدقة شديدة، فمسلسل "أبواب الشك" عمل جماعى قائم على مجموعة من النجوم الشباب فى أبرز أدواره وشخصيات حكايته، مثل شخصية "حسن" الذى أدى دوره خالد سليم بتعايش كامل للشخصية بأبعادها النفسية المشوشة بدون أى تكلف فى الأداء أو رتابة وتقليدية، واستطاع فى هذا الدور أن يثبت قدراته التمثيلية، ويُخلص جمهوره من إحساسهم فى معظم أدواره أنه يُمثل أدوار، ويؤدى شخصيات لا يعايشها بكل حواسه، لكنه أخطأ فى البُعد الجسمانى للشخصية، فلا يمكن لشخص سُجن سنوات أن يخرج من السجن وجسمه ملىء بالعضلات كأنه سُجن بصالة ألعاب رياضية وليس سجنا عاديا.

كما أضافت لقاء الخميسى لرصيدها الفنى بدور "شادية" التى رسمت عليه لمساتها، وأدت نمط شخصية الصحفية التى تبحث عن الحقيقة باختلاف، والأهم بحُب فتشعر كمتلقى أنها تحب الشخصية التى تؤديها بالفعل، ذلك الحب الذى انتقل عبر الشاشة للمتلقى فأحبها بالتبعية.

 أما دور المقدم "حسام شعلان" الذى يؤديه طارق صبرى فقد نسج لنفسه خيطا جديدا على شخصية ضابط المباحث المتعارف عليه، كأنك تضع بعضا من حبيبات الملح على أكلة تعودت أن تأكلها بلا طعم مما يجعلها شهية، وذلك بإضافته بعض الكوميديا التى تتخلل مشاهده لكسر جدية الأحداث، ورسم الابتسامة على وجه المتلقى الباحث عن الحقيقة بنَهَم، مع تمكنه من أداء شخصية الضابط الصارم فى عمله، والمُحب الحنون مع أسرته، ويكشف بذلك جانبا جديدا من موهبته كممثل فى قدرته على تقديم الكوميديا.

أما تامر شلتوت فى شخصية "أحمد" فقد تقدم به خطوة جديدة، وانتقل لمرحلة أكثر نضجا كممثل، وبذلك تتبدل الأنظار إليه من ممثل هاوٍ إلى ممثل على بداية سلم الاحتراف، مثله مثل أحمد صلاح حسنى فى دور "صلاح" الذى تثار حوله الشكوك دائما، وتتجمع خيوط كثيرة من الحقيقة بين يديه، فيحيّرك كمتلقى بين التعاطف معه وكرهه، ذلك التلاعب بالوجوه الكثيرة التى يرتديها على مدار الحلقات تجعلك تتأكد أنه بدأ يقف على أرض صلبة كممثل موهوب،  وغيرهم كثير من الشباب استطاعوا بحرفية أن ينسجوا عمل فنى مبدع بمساندة كبار النجوم مثل عبدالرحمن أبو زهره فى دور "عز" فيكفى أن تتابع أداءه حتى تتعلم أصول المهنة .

لا يمكن أن نغفل دور الموسيقى التصويرية لمصطفى الحلوانى فى نقل مشاعر الإثارة والتشويق ومعايشة المتلقى للأحداث، بل والتمهيد لها فى بعض المشاهد، فقد كانت عنصرا مُعبرا ومُكملا للحالة الدرامية التى أكدتها تقنية "tilt up" وهى حركة الكاميرا من أسفل لأعلى، وأيضا استخدام تقنية "ban" وهى حركة استعراضية للمكان من اليمين لليسار أو العكس؛ لتوصيل رسالة ما، أو التشكيك فى شخص لتحقيق الإثارة، إلا أن مدير التصوير ومخرج العمل وقعا فى خطأ، وهو تكرار  slow motionأو طريقة التصوير البطىء للقطة، تم تكرارها بداعى وبدون داعى فى مشاهد كثيرة، فهى مهمة عند المفاجأة، أو فى حالة وقوع حدث جلل لا أكثر، كما جانب صناع العمل التوفيق فى نقل فكرة خطيرة على المجتمع، وهى أن الجريمة سهلة والوقوع والهروب من عواقبها أسهل، وذلك إما لإسراع إيقاع العمل الفنى أو لتحقيق النهاية السعيدة لبعض الشخصيات التى تعاطف معها المتلقى، مثل شخصية "صلاح"، وفى الحالتين سوف تقال الجملة الشهيرة "المخرج عايز كده " وذلك يشوّه ولو قليلا إبداعا حقيقى ومجهودا كبيرا مبذولا من كل طاقم العمل لصناعة عمل فنى يبعث رسالة هامة عرفناها كحكمة منذ القدم :

"من أكثر الناس أذى لنا هم الأشخاص الذين أعطيناهم كل ثقتنا لأنهم بمعرفتهم أسرارنا يستخدمونها ضدنا يوم نختلف معهم".


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر