جمال عبد الناصر يكتب :أنطولوجيا المكان..الصورة والذاكرة في تجربة روماني حافظ

أعمال الفنان روماني حافظ أعمال الفنان روماني حافظ
 
كتب جمال عبد الناصر

 

في لوحات روماني حافظ لا يلتقط الضوء ما يُرى، بل ما يُستدعى، والكاميرا لا تتجه إلى الخارج، بل تنحني على طبقات الزمن، كأنها تُنصت لما تركه الحجر من همس، ولما خبأه الفراغ من صلاة قديمة، وهنا، لا يظهر الإنسان بوصفه مركز الكون البصري، بل كأثرٍ عالق، حضور هشّ يمرّ داخل المكان كما تمرّ الذكرى داخل الوعي : خفيفة، مترددة، ومشبعة بالمعنى، وليست صور روماني مجرد مشاهد فوتوغرافية، بل مقاطع صامتة من زمنٍ متآكل، حيث يقف الإنسان لا بوصفه مركز الرؤية، بل كأثرٍ عابر داخل ذاكرة المكان.

في معرض الفنان روماني حافظ أعجبني ثلاث صور تتجاور، لكنها لا تكرر ذاتها؛ بل تنسج معًا سردية عن الحضور الإنساني حين يتخفف من ادعاء البطولة، ويصير شاهدًا، أو وسيطًا، أو حتى ظلًا.

تصوير الفنان روماني حافظ
تصوير الفنان روماني حافظ

في الصورة الأولى، يظهر شخص منفرد يقف أعلى تكوين صخري، في مواجهة فراغ سماوي شاسع، والتكوين شديد الاقتصاد: جسد نحيل، أرض خشنة، وسماء بلا ملامح، فالإنسان هنا ليس بطل المشهد، بل علامة زمنية، شاهد يقف على حافة التاريخ، وزاوية الالتقاط المنخفضة تعزز الإحساس بالهيبة والعزلة، بينما يحذف الأبيض والأسود كل الإغراءات البصرية، ليترك المتلقي وحيدًا أمام سؤال العلاقة بين الجسد والمكان، ويبدو الشخص كأنه امتداد للصخر، لا كيانًا منفصلًا عنه، جزء من الجغرافيا لا عابرًا فوقها.

تصوير روماني حافظ
تصوير روماني حافظ

أما الصورة الثانية، فتدخل بنا إلى صرامة المعمار، درجات حجرية تقود إلى مدخل ضخم، تتوسطه شخصية ساكنة، أقرب إلى حارس أو راهب، وهنا لا تكون العمارة خلفية، بل ذاكرة متجسدة، فالخطوط الأفقية والعمودية تفرض إيقاعًا صارمًا، بينما يقف الجسد البشري كفاصل صامت بين الداخل والخارج، بين المقدس والدنيوي، أما الحضور الإنساني لا يفرض ذاته، بل يتواضع أمام ثقل التاريخ، ليغدو وسيطًا بصريًا بين المشاهد وعمق الزمن.

تصوير الفنان المبدع روماني حافظ
تصوير الفنان المبدع روماني حافظ

الصورة الثالثة التي أعجبتني وكانت بالنسبة لي  أكثر حميمية وغموضًا، فهي شخصية تُرى من الخلف، تلامس جدارًا متآكلًا داخل فضاء مهدم، واللمس هنا ليس فعلًا جسديًا فحسب، بل فعل معرفي وروحي؛ كأن الجدار يحمل ذاكرة لا تُستدعى بالنظر، بل بالتماس، والضوء والظل يخلقان إحساسًا بالانمحاء، فالشخصية ليست كاملة الحضور، بل شبح ذاكرة يتحرك داخل أطلال الزمن، إنها صورة عن الإصغاء للمكان، لا عن توثيقه.

هذا العالم البصري للفنان روماني حافظ ينتمي بوضوح إلى تجربة يشتبك فيها مع الذاكرة، والحضور، والفضاء المقدس، ولا يتعامل ذلك الفنان مع المكان بوصفه موقعًا جغرافيًا، بل ككائن حيّ يمتلك ذاكرةعبر الكثير من الصور والتصوير بالأبيض والأسود، والتعريضات الطويلة، وتقنيات التصوير التناظري، فهو يعيد قراءة التراث القبطي القديم داخل سياق معاصر، حيث تتقاطع الهوية الروحية مع زمن متشظٍ.

والشخصيات في أعمال روماني حافظ لا تُقدَّم كنماذج بشرية مكتملة، بل كامتدادات شبحية للمكان: مراقبون صامتون، أو وسطاء بين الحجر والنور، بين ما كان وما لا يزال عالقًا في الذاكرة الجمعية، كما طوّر حافظ خطًا بصريًا ونصيًا مستوحى من اللغة القبطية القديمة، ليس بوصفها عنصرًا زخرفيًا، بل كجذر دلالي وفلسفي، يؤكد التزامه بالحفاظ على الثقافة عبر إعادة قراءتها، لا استنساخها.

في هذا السياق، تأتي مشاركة روماني حافظ في الدورة العاشرة من مهرجان إكسبوجر الدولي للتصوير الفوتوغرافي، المقام في إمارة الشارقة خلال الفترة من 29 يناير إلى 4 فبراير 2026، بوصفها امتدادًا طبيعيًا لمشروعه الفني من خلال معرضه الجديد " ذاكرة السكون والمكان" الذي اخترت منه ثلاث صورا، لكن كل أعماله يقدّم فيها رؤيته ويحافظ علي خلاصة تجربته، حيث يتحول السكون إلى لغة، والمكان إلى نص بصري متعدد الطبقات، ويدعو المتلقي إلى تأمل الزمن لا استهلاكه، ويفتح في كل اعماله نافذة على منهجه الإبداعي.

في النهاية، تكشف أعمال روماني حافظ عن رؤية متكاملة للمكان والجسد والضوء، حيث تتحول الصورة إلى فعل فلسفي بقدر ما هي بصري، فالمتأمل في لوحاته يلحظ أن كل كادر، كل زاوية، وكل تلاعب بالضوء والظل ليس صدفة، بل اختيار مدروس يشبه لغة المخرج السينمائي في صناعة المشهد؛ كما لو أن حافظ يعيد إنتاج حوارات الزمن والحجر كما فعل شادي عبدالسلام في فيلمه " المومياء "، حيث يصبح الكادر وحدة سردية قائمة بذاتها، تحمل بين حدودها الصمت والهيبة والذاكرة.

تصوير الفنان روماني حافظ (2)
تصوير الفنان روماني حافظ (2)

رؤية حافظ هنا لا تتوقف عند التوثيق أو الجماليات الشكلية، بل تتجاوزها إلى ممارسة تأملية، حيث يصبح المكان شخصًا، والجسد علامة، والصورة نصًا متعدد الطبقات، ومن خلال هذا التصوير، يدعونا الفنان إلى التأمل في زمننا المتشابك مع الذاكرة، إلى أن نصغي لما يهمس به الحجر، ونرى ما خلف الظلال، ونختبر السكون بوصفه لغة وفعلًا شعوريًا يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.

هكذا، تتحول أعماله إلى طقس بصري، إلى مكان نلتقي فيه بالذاكرة، ونحسّ بما يفكر فيه المكان قبل أن نفكر نحن، فنشهد الصورة بوصفها فعل تذكّر، لا مجرد تسجيل.

 

 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر