جمال عبد الناصر يكتب : رحلة شاهين بعين البوهي

أحمد البوهي أدار الكادر المسرحي بعين سينمائية واعية أحمد البوهي أدار الكادر المسرحي بعين سينمائية واعية
 
كتب جمال عبد الناصر

يشكّل عالم يوسف شاهين السينمائي مشروعًا بصريًا وفكريًا متعدد الطبقات، تتقاطع فيه الرؤى، وتتباين التجارب، وتتوالد المراحل في مسار إبداعي شديد الثراء والتعقيد، ومن ثمّ، فإن نقل هذا العالم إلى خشبة المسرح، بصريًا وموسيقيًا، يظل تحدّيًا جماليًا ومعرفيًا بالغ الصعوبة، لا سيما حين يتجاوز حدود الاستعادة الاحتفالية إلى أفق التأويل الفني.

غير أن التجربة التي قدّمها المخرج أحمد البوهي على مسرح المنارة نجحت في تحويل هذا التحدّي إلى عرض متكامل الأركان، يتأسس على رؤية إخراجية واعية، جعلت من المسرح فضاءً حيًا لإعادة قراءة عالم شاهين، لا مجرد مناسبة احتفالية عابرة.

المخرج أحمد البوهي يقدم شاهين في عرض حدوتة مصرية
المخرج أحمد البوهي يقدم شاهين في عرض حدوتة مصرية

لا يمكن النظر إلى عرض حدوتة مصرية بوصفه إعادة إنتاج لمشاهد مختارة من أفلام يوسف شاهين، بل هو اشتغال واعٍ على الذاكرة بوصفها مادة جمالية قابلة لإعادة التشكيل، ولقد اختار أحمد البوهي مقاطع بعينها من أفلام شاهين، لا باعتبارها لحظات أيقونية فحسب، وإنما بوصفها مفاصل دلالية داخل مشروع سينمائي ممتد، تمتد خطوطه من «المهاجر» إلى «إسكندرية نيويورك»، مرورًا بمحطات مركزية مثل «الأرض»، و«عودة الابن الضال»، و«المصير».

هذا الاختيار لم يكن اعتباطيًا، بل خضع لمنطق سردي يتيح للجمهور الدخول إلى عالم شاهين عبر مساراته الفكرية والجمالية، لا عبر التسلسل الزمني وحده، وقد حضرت وجوه أبطال شاهين في خلفية العرض في مشاهد من أفلامه بوصفها علامات زمنية أكثر منها شخصيات تمثيلية؛ حضورها البصري لا يهدف إلى الاستدعاء النوستالجي، بل إلى تثبيت الذاكرة بوصفها أثرًا.

عرض حدوتة مصرية
عرض حدوتة مصرية

ارتبطت هذه المشاهد بسلسلة من الأغنيات والمقطوعات الموسيقية قدمها الموسيقار نادر العباسي والتي تشكّل جزءًا أصيلًا من الذاكرة السمعية للسينما المصرية، لتغدو الموسيقى هنا عنصرًا بنائيًا في الخطاب المسرحي، لا مجرد خلفية شعورية، ومع التعليق الصوتي الذي أدّاه البوهي بنفسه، تحوّل الصوت إلى أداة سرد، تقود المتلقي عبر مراحل تطور مشروع شاهين الفني، وتلامس أبعاده الإنسانية والشخصية دون الوقوع في التبسيط أو المباشرة.

شكلت الفقرات الغنائية جسورًا زمنية تربط الماضي بالحاضر، حيث بدت كل أغنية محطة دلالية قائمة بذاتها، فمن «يا مرسال المراسيل» إلى «بنت وولد»، مرورًا بـ«حدوتة مصرية»، و«عشاق الحياة»، و«إزاي تكون»، و«المصري»، تداخلت الصورة بالصوت، والفكرة بالموسيقى، لتتحول الذكرى السينمائية إلى حضور حيّ على خشبة المسرح، ولم تكن الأغنية هنا استراحة وجدانية، بل بنية سردية تسهم في تفكيك المشروع الشاهيني وإعادة تركيبه داخل فضاء العرض.

المخرج احمد البوهي
المخرج احمد البوهي

في هذا السياق، يمكن القول إن أحمد البوهي أدار الكادر المسرحي بعين سينمائية واعية؛ كل حركة، وكل انتقال، وكل إيقاع صوتي جاء محسوبًا بدقة، ليشكّل العرض مشهدًا مركّبًا متعدد الطبقات ، فالمسرح هنا لا يقلّد السينما، بل يحاورها، ويعيد إنتاج منطق الكادر داخل فضاء حيّ، حيث يصبح الكادر وحدة دلالية قائمة بذاتها، محمّلة بالزمن، ومشبعة بالصمت، وقادرة على إنتاج المعنى من خلال التوازن بين الحركة والسكون، بين الامتلاء والفراغ.

يؤكد عرض " حدوتة مصرية " ، في محصلته النهائية، أن يوسف شاهين لم يكن مجرد مخرج سينمائي، بل مشروعًا فنيًا مفتوحًا على التأويل، حاضرًا باستمرار في الوعي الثقافي المصري والعربي، كما يبرهن على أن التقديم المسرحي المدروس قادر على أن يكون أداة نقدية وجمالية في آن، تتيح للمتلقي أن يعايش الرؤية السينمائية بصريًا وسمعيًا وروحيًا.

هنا، لا يكتفي العرض باستعادة الماضي، بل يعيد تفعيله، ويفتحه على قراءة جديدة، نرى من خلالها عالم شاهين عبر حساسية أحمد البوهي كمخرج، ومؤدٍ، ومفسّر معاصر لهذا الإرث السينمائي المتجدد.

 

 

 

 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر