جمال عبد الناصر يكتب: "رأس الأفعى".. الفن حين يواجه سرديات التضليل

الكاتب الصحفي والناقد الفني جمال عبد الناصر الكاتب الصحفي والناقد الفني جمال عبد الناصر
 
كتب : جمال عبد الناصر

 

كل تاريخ قديم يحمل في داخله أكثر من مروية، وأكثر من عين نظرت إليه، وأكثر من قلم أعاد صياغته، فالتاريخ، كما وصلنا، ليس دائمًا ما جرى، بل ما رُوي عما جرى، وتتعدد الحكايات بتعدد المؤرخين، وتتباين الروايات بتباين الأزمنة التي كُتبت فيها، وكثيرٌ من أحداث تاريخنا العربي دون بعد مئات السنين من وقوعه؛ كتبه مؤرخون لم يعاصروا الوقائع، وإنما نقلوا عمن سمعوا، في سلسلة رواة تتقاطع فيها الذاكرة بالخيال، والتوثيق بالتأويل، حيث تتأسست المعرفة على الإسناد، لكن تبقى المسافة الزمنية حاضرة بين الحدث وتدوينه.

ونحن الآن في زمنٍ تراجعت فيه عادة القراءة أمام سطوة الشاشة، لتصبح الدراما التاريخية ضرورة ثقافية لا ترفًا فنيًا؛ فهي الجسر الذي تعبر منه الأجيال الجديدة إلى ماضيها دون وسيطٍ ورقي، وحين يعجز الكتاب عن الوصول إلى قارئٍ لم يعتد الصفحات، تتكفل الصورة بالحكي، ويقوم الأداء والموسيقى والإيقاع مقام السرد المكتوب، فالدراما هنا لا تختصر التاريخ، بل تعيد ترجمته بلغة بصرية معاصرة، فتمنح الشباب فرصة فهم جذور واقعهم، واكتشاف سياقات الأحداث التي صنعت حاضرهم، وتكوين وعي نقدي يميز بين الحقيقة والتزييف، إنها شكل جديد من القراءة؛ قراءة عبر العين والقلب معًا، تحفظ الذاكرة من الانقطاع، وتعيد وصل الأجيال بتاريخها في زمن السرعة والنسيان.

 

وفي هذا السياق، تبدو الدراما التاريخية دائمًا أمام سؤال ملتبس : هل نحن بإزاء حقيقة، أم بإزاء رواية عن حقيقة؟ غير أنّ "رأس الأفعى" يقدّم نموذجًا مغايرًا؛ فنحن لا نقف هنا أمام وقائع منقولة عبر قرون، بل أمام أحداث معاصرة موثّقة بالصوت والصورة، محفوظة في الأرشيف، شاهدة على نفسها، إننا لا نسمع فقط عن الحدث، بل نراه، ولا نكتفي بسردٍ يرويه راوٍ، بل نشاهد الوثيقة وهي تتداخل مع المشهد الدرامي.

هذه النقلة من "الرواية عن الحدث" إلى "حضور الحدث ذاته" تمنح العمل بعدًا مختلفًا؛ فالمسلسل لا يعيد تخييل الماضي البعيد، بل يعيد تركيب واقع موثّق، ويضفّر اللقطات الحقيقية داخل النسيج الدرامي، فيخلق حالة فنية تتجاوز التمثيل إلى الشهادة، وهنا، تصبح الدراما وسيطًا بين الذاكرة والأرشيف، بين الفن والحقيقة، بين السرد والوثيقة.

إن أهمية هذه النوعية من الأعمال لا تكمن فقط في موضوعها، بل في منهجها، فهي تُخرج التاريخ من دائرة الجدل حول صدقيته، لتضعه في مساحة الرؤية المباشرة. ومع كل مشهد أرشيفي يجاور الأداء التمثيلي، يتعزز وعي المشاهد بأن ما يراه ليس إعادة اختراع للحدث، بل إعادة قراءة له من داخل مادته الأصلية.

وهكذا يتحول "رأس الأفعى" من مجرد مسلسل إلى وثيقة بصرية معاصرة؛ عملٌ يؤكد أن الفن، حين يستند إلى الأرشيف، لا يزيّن الحقيقة، بل يكشفها، ويعيد ترتيبها في سردٍ يمنحها معنى جديدًا دون أن ينتزع عنها صدقيتها.

 

وفي سياق الحديث عن قيمة التوثيق البصري وخطورة التلاعب بالسرديات، تبرز إشكالية أخرى عايشها المجال العام في السنوات الأخيرة، تتعلق بتزييف الوقائع وصناعة أحداث بديلة، فجماعة الإخوان المسلمين قامت باستخدام تقنيات تصوير حديثة ومنصات رقمية لإنتاج مواد مصورة مفبركة أو مجتزأة من سياقاتها، بهدف توجيه الرأي العام وصناعة انطباعات مغايرة للواقع، ويشير منتقدو الجماعة إلى أن بعض هذه المواد سعت إلى إثارة البلبلة وإعادة تأطير أحداث جرت بالفعل بصورة تخدم سردية بعينها، في مقابل التعتيم على وقائع عنف أو عمليات إرهابية نُسبت إلى عناصر مرتبطة بها.

تكمن خطورة هذا النمط من التلاعب في أنه لا يكتفي بإعادة تفسير الحدث، بل يصنع حدثًا بديلًا عبر الصورة نفسها؛ والصورة في زمن الإعلام الرقمي تملك سلطة إقناع تتجاوز النص المكتوب، وهنا تتجلى أهمية الأعمال الدرامية الموثقة مثل "رأس الأفعى"، لأنها تعيد الاعتبار لفكرة الدليل، وتؤسس وعيًا نقديًا لدى المشاهد يفرق بين الوثيقة الأصلية والمشهد المصنوع، بين الأرشيف الحقيقي والصورة المفبركة، فحين تتجاور اللقطة الأرشيفية الثابتة مع المعالجة الدرامية المنضبطة، يصبح الفن أداة مقاومة للتزييف، لا مجرد وسيط للحكي.

وعلى مستوى البناء الدرامي، تتجلى براعة المعالجة في رسم شخصية محمود عزت بوصفها محورًا سرديًّا يتجاوز الحضور المباشر إلى الكشف التدريجي عبر الفلاش باك، فالكاتب هاني سرحان لم يقدّم الشخصية في صورتها النهائية فقط، بل عاد بها إلى جذورها الفكرية والتنظيمية، مستعينًا بمشاهد استرجاعية تضيء مسار تشكّلها النفسي والعقائدي. نرى كيف تدرّج داخل البنية التنظيمية، وكيف تشرب خطابًا متشددًا قائمًا على الإقصاء والتكفير، حتى صار هذا الخطاب جزءًا من تكوينه الداخلي. هذا التأسيس لم يأتِ في صيغة خطابية مباشرة، بل عبر مواقف إنسانية وتنظيمية تكشف علاقته بأفراد جماعته، وطبيعة حضوره بينهم، ومساحات النفوذ التي بناها داخل الدائرة المغلقة.

وقد منح النص للشخصية أبعادها الثلاثة بوضوح، فالبعد النفسي من خلال ملامح الصرامة، والحذر، والبرود الانفعالي الذي يخفي صراعًا داخليًا مكتومًا، والبعد الاجتماعي عبر موقعه داخل الجماعة، وشبكة العلاقات القائمة على السمع والطاعة والتراتبية الصارمة، والبعد الفكري/الأيديولوجي الذي يتجلى في تبنيه خطابًا تكفيريًا متشددًا، يُبرر العنف بوصفه أداة لتحقيق غايات كبرى.

أما على مستوى الإخراج، فقد جنح محمد بكير إلى واقعية شديدة في تقديم المشاهد؛ واقعية لا تقوم على الصخب، بل على التفاصيل الدقيقة، فزوايا التصوير الضيقة تعكس الاختناق، الإضاءة الخافتة التي توحي بالسرية، والإيقاع المتوتر الذي يتصاعد تدريجيًا، واختياره لفريق تمثيل متميز، وإدارته الدقيقة لأدائهم، جعلا الشخصيات تتحرك داخل فضاء مقنع، بعيدًا عن المبالغة أو الكاريكاتورية.

وتأتي موسيقى ياسر عبد الرحمن لتمنح المشاهد الإحساس الملائم لكل لحظة؛ فهي لا تكتفي بمرافقة الحدث، بل تتغلغل في نسيجه، تصنع توتره، وتضاعف أثره الوجداني. في لحظات الصمت، تتحول الموسيقى إلى همس داخلي، وفي لحظات التصعيد، تصبح نبضًا متسارعًا يأخذنا إلى قلب العالم الذي يبنيه المسلسل، فننخرط وجدانيًا في الحدث، لا كمشاهدين فحسب، بل كشهود على تحولات شخصية صنعتها أفكار متشددة ومسارات مغلقة.

مسلسل "رأس الأفعى"  نموذجًا لدراما تستند إلى وقائع حقيقية، وتُضفِّر بين المادة الأرشيفية المصورة وبين البناء الدرامي المكتوب، لتخلق تجربة مشاهدة تجمع بين المتعة والمعرفة، فالمسلسل ينطلق من وقائع حقيقية مثبتة، والاستعانة بمقاطع أرشيفية أصلية، وصياغة معالجة درامية تحترم جوهر الحدث دون الإخلال بإيقاع السرد، وهذا التداخل بين الوثيقة والصورة الدرامية يمنح المشاهد إحساسًا مضاعفًا بالواقعية؛ فهو لا يشاهد تمثيلًا فحسب، بل يرى التاريخ وهو يُستعاد أمامه بالصوت والصورة، ومن أبرز ما يميز" رأس الأفعي " هو إدماج اللقطات الحقيقية داخل النسيج السردي، فحين تتجاور مشاهد التمثيل مع مقاطع أرشيفية أصلية، يحدث نوع من "التحقق البصري"؛ إذ تنتقل الحكاية من مجرد إعادة تمثيل إلى شهادة موثقة.

 

وفي رأيي ان هذا الأسلوب في الكتابة يعزز ثقة الجمهور في العمل، ويربط الأجيال الجديدة بأحداث ربما لم تعاصرها، ويمنح الحدث بعدًا إنسانيًا يتجاوز السرد الجاف للوقائع، فالمشاهد هنا لا يتلقى التاريخ في صيغة درس مدرسي، بل يعيش تفاصيله، ويتفاعل مع أبطاله، ويدرك سياقه السياسي والاجتماعي من خلال بناء درامي متكامل.

يمثل "رأس الأفعى" مثالًا على دراما تحترم عقل المشاهد، وتؤمن بأن الفن يمكن أن يكون أداة وعي بقدر ما هو وسيلة ترفيه في عالم يموج بالروايات المتضاربة، تظل الأعمال التي تستند إلى الوثيقة وتُضفرها مع الخيال المنضبط ضرورة ثقافية، لأنها لا تروي الحكاية فحسب، بل تحفظها من النسيان.

 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر