عيون قلب الشعوب العربية.. أنا بعشق «نجاة» زمرة من الملائكة تخرج من حنجرتها

نجاة نجاة
 
وائل السمرى

أنا بعشق البحر.. وبعشق السما.. وبعشق الطريق.. لأنهم حياة..

 وأنا بعشق «نجاة»

- زمرة من الملائكة تخرج من حنجرتها.. حفنة من ضياء تنبعث من بين شفتيها.. نور ونار فى آهاتها.. مملكة للدفء.. ساحة للهيام.. سماء من وعود مرصعة بالشوق

 ولا يستطيع أحد أن يتجرأ ويكتب عن هذا السحر سوى من سهر معه أيامًا وليالى، سوى من تجرع الآهات وهى تخرج منه عذبة صافية رائقة حانية، ليس بمقدور أحد أن يتجرأ بطلب القرب منه سوى من رأى معها بعيون القلب، ومن بكى معها حينما كان «يفكر فى صمت ويتركها» سوى من عرف أن «القريب منك بعيد والبعيد عنك قريب»، سوى من تاه فى «وسط الطريق» وردد معها «فما أنا مجنونة كى أوقف القضاء والقدر، وما أنا مجنونة كى أطفئ القمر».

 

يا ورد يا أبوالشوك ارتاح مش كل الحلوين تفاح

 

من بين آلات الأوكسترا هى الكمان، ومن بين ثمرات الفاكهة هى الفراولة، ومن بين شيخوخة الموسيقى التى نعيشها هى «الصغيرة».. الصغيرة دائمًا، المبهرة دائمًا، والمبهجة دائمًا، القريبة حتى تشعر بأنفاسها حولك، والبعيدة حتى تكاد تظن أنها من بنات أفكارك، حتى تظن أنها الخيال، فريدة حتى الدهشة، غنية حتى العجب، أنثى كما يجب أن تكون الأنثى، صديقة رفيقة ناعمة متجددة، نجاة الصغيرة، الفنانة بنت الفنان أخت الفنانة وأخت الفنان، نجاة الصغيرة التى استطاعت أن تصبح كبيرة بين العمالقة، وأن تحتفظ بنضارتها فى الذاكرة وهى تتخطى العقد بعد العقد.

 

كل ثانية فى عمرى بتقولك بحبك.. كل قلبى لك.. يا ريت لى مكان فى قلبك

 قد لا نعرف أننا نحبها إلى هذا الحد، لكننا نحبها إلى هذا الحد، إلى حد الثمالة، حد الانتشاء، حد الغياب عن الوعى والحضور فى الغياب، فصوتها المصون متحديًا طعنات الزمن صار فى الوجدان أبديًا سرمديًا نورانيًا، زمرة من الملائكة تخرج من حنجرتها، حفنة من ضياء تنبعث من بين شفتيها، نور ونار فى آهاتها، مملكة للدفء، ساحة للهيام، سماء من وعود مرصعة بالشوق.

 

حبيبى حبيبى.. عليه أحلى ابتسامة.. لما بتضحك عيونه بقول يلا السلامة

 

لضحكة نجاة الصغيرة بصمة متفردة، خليط من الحياء والأنوثة، ترى فيها التردد ما بين الصمت والانطلاق، بطيئة وخاطفة، تكاد تشعر بها وهى تصعد من داخلها إلى وجهها، يكبحها التأنى، ويضيف انفلاتها عليها سحرًا لا يقاوم، هى أنثى كاملة الأوصاف، وضحكتها كذلك، فيها ما فيها من الطفولة، وفيها ما فيها من العفوية، وفيها ما فيها من الدلال، تضحك بعينيها، فتدهشك تلك اللمعة الآسرة، ضحكتها راسية، فتضيف إليها شموخًا ووقارًا وهيبة، ضحكتها قريبة، تخبرك بما لا يفتح للشك منفذًا بالصدق والبساطة والرقة، ضحكتها خفيضة، فتشعر بها وكأنها سر حميمى أفضت إليك به، ضحكتها ساحرة، تشعل فى وجدانك آلاف المشاعر، غير أنك لا تستطيع أن تتذكر نبرتها أو شكلها، فيدور عقلك فى دوائر الخيال القطيفى الملهم.

 

ماذا أقول له لو جاء يسألنى.. إن كنت أكرهه أو كنت أهواه

 

«صوت فايزة أحمد ينبع من قلبها، بينما صوت نجاة ينبع من قلبك»، هكذا لخص الشاعر الكبير كامل الشناوى الأمر برمته، أتى بما يتوه عن البال، وما يعجز اللسان عن التعبير عنه، حل الأزمة، ووضع يده على جوهر الفارق بين صوت نجاة وأصوات الآخرين والأخريات، صوت نجاة وحده لا شبيه له، هو القادر على الإتيان بما تعجز الأفئدة عن الشعور به، بما تعجز الأفهام عن استيعابه، بما تعجز العقول عن تخيله، صوت نجاة هو الوحيد الذى تسمعه فتشعر وكأنك تسمع نفسك.. صوت قريب منك، وبعيد عنك، يشبه الوحى فى نعومته وقوته، يشبه الانسلال من الضوء والدخول فى الضوء، يشبه الوجع.. الاشتياق المحبب، ويشبه وخز الذكريات الحانية، صوت فريد بكل ما يحمل من تفاصيل، أعلاه حلو، أدناه حلو، وأوسطه حلو، جميلة حينما تصور لهفة الحبيبة واستكانتها منتظرة فى ليلها «شمعة سهرانة فى ليلة حب»، وجميلة وهى تصرخ «اغضب كما تشاء»، وجميلة وهى تستسلم «ونسيت حقدى كله فى لحظة»، وجميلة وهى تعلن العصيان «لا يا قلبى كله إلا دى منستحملش أسية»، جميلة حينما تؤدى بسلاسة، وجميلة حينما «تتسلطن»، جميلة حينما تغنى أغنياتها التى عرفناها بها، وجميلة حينما تغنى أغنيات غيرها من المطربات السامقات كأم كلثوم أو ليلى مراد.

 

ما أحلى الرجوع إليه

فى أحد حواراتها مع أحد التليفزيونات العربية سألها المذيع: حينما تجلسين بمفردك ماذا تتذكرين؟ فأجابت: «عندما أكون وحيدة أتذكر نجاة، لأننى دائمًا ما أنساها»، وفى الحقيقة فإنه لو قال أحد غير نجاة هذا الكلام لظن السامع أنه يكذب أو يبالغ، لكن أن تقوله نجاة فهذا يعنى عين الصدق، فقد تعلمت نجاة الغناء قبل أن تتعلم الكلام، وما أن تكلمت حتى أصبحت نجمة يشار إليها فى كل محفل، تحيى الحفلات فى القاهرة والمحافظات، تسافر إلى بيروت تارة، وإلى دمشق تارة، ترى البنات نائمات فى أحضان أقاربهن، بينما هى تعمل وتعمل وتعمل، من يعرف نجاة يعرف أنها من أحرص الناس على عملها، فربما تسرب إليها هذا الحرص لأنها رأت العمل يومًا حلمًا يتحقق، وربما لأنها أيقنت منذ صغرها أن العمل هو الذى سيكفل لها وجودًا فارقًا فى الحياة، وسيجعل لها مكانًا لائقًا بما تحمله من موهبة صارخة، ولذلك كانت أقسى الناس على نفسها وأكبر نقادها وأغلظهم، فكان طبيعيًا أن تعود نجاة إلى نفسها كلما سنحت الفرصة، لتقابل ذاتها المنسية، وتتأمل فى ملامحها التى كانت صغيرة.. دقيقة.. منمنمة، فدب فيها النضوج وكستها العذوبة.

 

طول ما أنت جنبى.. روحى وقلبى فى دنيا تانية ملهاش وجود

 

كسفينة فضاء يأخذك صوت نجاة، كنسمة هواء يرفعك صوت نجاة، كقبلة، كتغريدة، كنغمة، كتنهيدة، حلم هو والله، غفوة من عالم صاخب، رحلة إلى عالم ناعم حالم، وعد بجنة من مشاعر متدفقة، يباغتك بشخصيته المتفردة، فلا تفكر فى الفكاك منه، ولا الابتعاد عنه، لنجاة بصمة فى القلب، بصمة فى العين، بصمة فى الأذن، بصمة فى الوجدان، لنجاة فى قلوبنا حق معلوم، وفى تاريخنا صفحة وكتاب، وفى موسيقانا باع وذراع وقيراط وفدان.

 

كلمنى عن بكرة وابعد عن امبارح.. وارتاح من الذكرى وسهمها الجارح

اليوم وغدًا وبعد غد، أمس وأمس الأول وما قبل أمس الأمس، ستبقى نجاة إلى أبد الدهر علامة فارقة فى تاريخ الغناء والموسيقى، فقد كانت هى التعبير الأجمل عن جيل ما بعد أم كلثوم، ومرحلة ما بعد امتهان التطريب، فقد تخلصت نجاة من استعراضية الطرب الشرقى الذى أساء إليه الكثيرون، واختارت أن تصل إلى القلب دون ضجة أو جلبة، ففى الضلوع سكنت، وفى العيون تربعت، فصارت صوت الحب، بل صارت الحب ذاته.

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر