«تسجيل دخول».. استحضار لـ«عبثية يونسكو» للسخرية من العالم الافتراضى

تسجيل دخول تسجيل دخول
 
باسم فؤاد

فى عالم عبثى مادته مواقع التواصل الاجتماعى، لا يستطيع أحد تفسير ما يحدث فى هذا العالم الافتراضى المشوش، حتى إننا لا نكاد نتفق على رأى أو تصور واحد حول الشخص الواحد أو قضية واحدة، فتداخلت المفاهيم واختلط المزيف بالحقيقى، واكتسب البعض شهرة مزيفة على حساب من هم أحق، وغابت ملكة التمييز بين الغث والسمين وسيطر التشويش على ذلك العالم الآخر من الواقع الذى أصبح فيه "الكيبورد" صاحب الكلمة العليا، واقتصرت علاقاتنا ومشاعرنا ومواقفنا وآرائنا على تلك المساحة الصغيرة من مواقع التواصل، كل ذلك ترجمه المخرج هانى عفيفى من خلال مسرحيته "تسجيل دخول" مستعينًا بمنهج "اللا معقول" أو "مسرح العبث" ليسخر من عبثية العالم الموازى ويجعل جمهور مسرح الهناجر فى مواجهة أنفسهم.

43480530_10156872256143804_1260208134098518016_n
 

نشأ "مسرح العبث" على يد مجموعة من الشباب العبثيين فى أوروبا نتاج ظروف سياسية، إذ عانى الإنسان الأوروبى من الفردية، فرغم تقدمه العلمى إلا أنه يعانى من الانعزالية نتيجة لعدم قدرته على بناء علاقات إنسانية اجتماعية مع الآخرين، واتسم مسرحهم بالغموض وغياب العقدة الدرامية التقليدية وتمردوا على كل ما هو مألوف مسرحيًا، ولم يعد للزمان والمكان أهمية فى عروضهم، وأصبح الحوار غامضا مبهما فكل شخوص المسرحية تتحدث دون أن يتمكن أحدهم من فهم الآخر وغابت ثقة الشخصيات فى بعضها البعض، وذلك ما يفسر اختيار المخرج هانى عفيفى لذلك المنهج ليعكس الانعزالية التى نعيشها بفعل وسائل التواصل الاجتماعى التى حلت مكان الواقع المعاش.

 

44202291_197577331035522_4901026132524007424_o

 

لم يحدد "عفيفى" الزمان بشكل واضح رغم وجود ساعة بارزة خلف الممثلين إلا أنه لم يترك المشاهد حائرا فالحوار لا يخلو من الحديث عن أزمات المرور والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية عقب ثورة 25 يناير، أما المكان فكان مشوشا لا تستطيع تمييزه بوضوح فى إشارة إلى السوشيال ميديا، وصب هانى عفيفى سخريته من ذلك العالم حين جعل من "قعدة حمام" مكانا يتحدث من خلاله كل ممثل فى مواجهة الجمهور، فى إسقاط واضح بأن العالم الافتراضى أشبه بالمراحيض، فهذا شاعر يهذى بكلمات ساذجة تثير الضحك وذاك يعانى الإحباط والفشل أمام الكاميرات، وتلك ناشطة نسوية تتغنى بحقوق النساء لاكتساب أكبر عدد من المشاهدات، وأخرى قررت ارتداء الحجاب لمجرد لفت الانتباه، وهؤلاء أصحاب مهن مستحدثة أطلقوا على أنفسهم خبراء، لم نكن نسمع عنهم قبل ذلك الاختراع المسمى بوسائل التواصل الاجتماعى.

44193165_197577007702221_7622712445181624320_o

 
44171900_197575841035671_5256461648662626304_o
 

الممثلون يجمعهم بيت واحد من المفترض أنه بيت أحدهم، لكنهم فى نفس الوقت غير مجتمعين، فقط يتفاعلون مع بعضهم البعض من خلال مواقع السوشيال ميديا، تقرر تلك المجموعة أن تخرج سويا فى لقاء كثيرا ما خططوا له، لكن تبوء محاولاتهم بالفشل، فكل منهم يرفض الآخر لأسباب سياسية أو أيدلوجية أو لسبب تافه كالشكل أو الانتماء الكروى.

44191092_197577494368839_5507741935835545600_o

فى أحد جوانب المسرح وضع المخرج هانى عفيفى "مليكان" مطموس الملامح يتواجد مع مجموعة الشباب على المسرح شاهد على أحاديثهم وصداماتهم، وكأنه النموذج الذى أصبح كل منا عليا جراء التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعى، فالكل يردد نفس الكلمات وبنفس الأسلوب بـضغطة زر تسمى "share" ، حتى أصبح كل منا "مسخ" من الآخر.

هانى عفيفى: نفتقد أن يتقبل كل منا الآخر على اختلافه 

هانى عفيفى
هانى عفيفى

"العرض تحليل لآثار السوشيال ميديا على مجتمعنا" هكذا تحدث هانى عفيفى لـ"عين"، وقال: "نناقش فكرة وجودنا على مواقع التواصل الاجتماعى فقط دون أن يجمعنا لقاء واحد فى الواقع بسبب اختلافنا، فلا أحد يريد أن يتقبل الآخر على اختلافه".

وعن تعرض المسرحية لأحداث 25 يناير وما أعقبها من فوضى، أوضح هانى عفيفى: "تعمدنا ألا نأخذ موقفا سواء مع أو ضد من أحداث 25 يناير.. فهو أكبر حدث انشغل به الرأى العام الشبابى.. وأخذ الكل يردد العبارات على السوشيال ميديا ويرى المستقبل من وجهة نظره فى العالم الافتراضى وغاب الفعل عن الواقع المعاش".

وحول اختياره منهج "العبث" فى إخراج مسرحية "تسجيل دخول"، قال: "كل مسرحية أخرجها لها منهج يفرضه الموضوع.. أحدده قبل بدء البروفات حتى أوجه الممثلين من خلاله، فأخرجت من قبل عروض ميوزيكال وتجريبى وملحمى، فأنا لا أصنف نفسى واخترت العبث لأنه الأنسب لمسرحية (تسجيل دخول) من وجهة نظرى، لأن ما نشهده حاليا عبر السوشيال ميديا ما هو إلا عبث".

أحمد السلكاوى:  خصوصياتنا مباحة على التواصل الاجتماعى
 
السلكاوى
السلكاوى

يجسد الفنان أحمد السلكاوى ضمن أحداث المسرحية شخصية "الساحر" ذلك الرجل المزيف الذى يبهر الناس دون فعل شىء مبهر فى الحقيقة، وتحدث السلكاوى عن دوره قائلا: "الساحر يسعى خلال العرض أن يرى الناس من خلاله شيئًا غير واقعهم".

وحول التحضير للدور قال  السلكاوى: "اتفقنا على (العبث) منهجا للمسرحية، وقرأت مسرحية (المغنية الصلعاء) ليوجين يونسكو أحد رواد تلك المدرسة، واستلهمت شخصية رجل الإطفاء الذى يمثل السلطة ضمن مسرحية يونسكو".

وأضاف: " استمرت التحضيرات للمسرحية 10 شهور  ارتجلت خلالها منولوجاتى بمساعدة المخرج هانى عفيفى والكاتبين إسماعيل إبراهيم وفادى سمير، واقترحت عليهم أن يكون هناك (مليكان) على المسرح لأن الساحر يسعى دائما أن يجعل الناس جميعا شخصا واحدا.. كل الناس تتكلم نفس الكلام..  وهذا واقعنا على مواقع التواصل الاجتماعى بالفعل".

وأوضح: "بالنظر إلى شروط الاستخدام على (فيس بوك) كمثال، سنجد أن الكل يكتب كل شىء عنه بداية من الاسم مرورا بالوظيفة حتى المشاعر سواء فرح أو حزن، فأصبحت خصوصيتنا مباحة أمام السوشيال ميديا".

شادى الدالى: شخصيات المسرحية تؤكد الروح الديجيتالية المسيطرة على واقعنا

44255981_197576004368988_4536788299955568640_o

ويجسد الفنان شادى الدالى شخصية "يحيى" ضمن أحداث المسرحية، ويحدثنا شادى عن تحضيره للشخصية قائلا: "يحيى شخص يدعى الحكمة والرصانة لكنه عكس ذلك فى الحقيقة وهذا موجود فى عالم السوشيا ميديا بكثرة.. ويبدو يحيى وكأنه شخص محروم عاطفيا ويبحث باستمرار عن علاقات غرامية عن طريق وسائل التواصل الاجتماعى".

وأضاف: "العرض صعب فشخصياته مسخ من بعض للتأكيد على الروح الديجيتالية المسيطرة على العصر.. لكننى مستمتع جدا بالتمثيل فى مسرحية (تسجيل دخول) لأننى خلال الفترة الأخيرة كنت أركز على الإخراج والتأليف".

"تسجيل دخول"  عرض مختلف ووجبة مسرحية تجمع بين الفكرة والإمتاع، تعرض يوميا على المسرح الهناجر فى تمام الساعة الثامنة والنصف مساء، باستثناء يوم الاثنين من كل أسبوع.

44296009_197576791035576_7851515918659092480_o

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر