في وقت أصبح فيه الوصول إلى الأفلام أسهل من أي وقت مضى، لم يعد السؤال ماذا نشاهد؟ بل: كيف نختار ما نشاهده؟ هل نختار فعلا ما نشاهده؟ ام اننا نتحرك داخل اختيارات صيغت مسبقا؟
هذا السؤال هو نقطة الانطلاق في دراسة
“برمجة المهرجانات في العصر الرقمي: الممارسات المؤسسية ودور المهرجانات الناشئة – مهرجان بورسعيد السينمائي أنموذجًا”، التي قدمتها المخرجة والباحثة د. أميرة الفقي ضمن فعاليات مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، حيث تعيد النظر في مفهوم البرمجة ليس كعملية تنظيمية فقط بل كممارسة تُنتج شروط الرؤية ذاتها.
الدراسة تنطلق من فكرة جوهرية وهي فهم دور المهرجانات السينمائية بعد أن كانت تُرى بوصفها منصات عرض ولكنها أصبحت ممارسة ثقافية ومؤسسية تُسهم في تشكيل الذائقة السينمائية وتوجيه طرق التلقي وتشارك في تشكيل المعنى عبر ما تسميه الدراسة “الممارسات المؤسسية” للبرمجة
هذه الممارسات لا تقتصر على ما هو معلن مثل معايير اختيار الأفلام أو تقسيم البرامج بل تمتد إلى ما هو غير مرئي: ذائقة المبرمجين، الشبكات المهنية، والسياق الثقافي الذي يُعاد داخله تعريف “القيمة السينمائية” وعلى هذا الأساس لم يعد اختيار فيلم دون آخر قرارًا محايدًا بل فعلًا تفاوضيًا يتقاطع فيه الفني مع الثقافي والمؤسسي مع الفردي
كما تشير د. أميرة الفقي في دراستها:
“البرمجة لم تعد عملية اختيار محايدة، بل أصبحت ممارسة تُحدد من خلالها أي الصور تُمنح فرصة الظهور، وأي الأصوات تبقى خارج الإطار.”
هذا الطرح يعيد تعريف دور المهرجانات، ليس كمنصات عرض، بل كفاعلين ثقافيين يشاركون في تشكيل الوعي البصري لكن في الحقيقة هذه الاختيارات تتأثر بسلسلة من القرارات المسبقة: ترشيحات، قوائم، خوارزميات، أو حتى برامج مهرجانات، فيلم شاهدته وأثّر فيك… ربما لم يكن ليصل إليك لولا أن جهة ما قررت وضعه أمامك في لحظة معينة وفهم هذه العملية لا يقلل من متعة المشاهدة، بل يجعلها أكثر وعيًا.
دور المهرجانات الناشئة (النقطة الأعمق):
تبرز أهمية المهرجانات الناشئة التي لا تزال في طور بناء هويتها المؤسسية وتطرح الدراسة مهرجان بورسعيد السينمائي كنموذج لمهرجان يسعى إلى تحقيق توازن دقيق والاستفادة من خبرات المهرجانات الكبرى، دون الوقوع في فخ الاستنساخ.
حيث تشير الي الميزة الأساسية لهذه المهرجانات التي تكمن في مرونتها وقدرتها على التفاعل مع السياق المحلي وفتح مساحات لعرض قضايا وسرديات قد لا تجد مكانًا في الدوائر السينمائية التقليدية لكن هذه المرونة نفسها تطرح تحديًا اخر كيف يمكن بناء سياسة برمجية واضحة دون فقدان روح التجريب؟ قد يبدو هذا النقاش نظريًا، لكنه في الواقع يخص كل مشاهد لأننا جميعًا نعتقد أننا نختار ما نشاهده بحرية
المهرجانات الراسخة والتحول الرقمي:
على مدار عقود، ساهمت مهرجانات كبرى مثل Cannes Film Festival وSundance Film Festival في بناء نماذج برمجية مستقرة، أسهمت في تعريف ما يُعتبر سينما ذات قيمة، وفي منح الشرعية لتيارات وأصوات بعينها لكن هذا الاستقرار نفسه أصبح موضع مساءلة في ظل التحول الرقمي فمع صعود المنصات مثل Netflix، watch it لم يعد التحدي هو إتاحة المحتوى بل القدرة على خلق تجربة مشاهدة ذات معنى داخل بيئة تحكمها الخوارزميات وأنماط الاستهلاك الفردي وهنا يظهر التوتر الأساسي بين منطق المنصات القائم على “التخصيص”، ومنطق المهرجانات القائم على “بناء سياق جماعي”.
مثال يوضح الفكرة (كما تلمّح الدراسة):
فيلم مستقل، قد لا ينسجم مع خوارزميات التوصية، يظل غير مرئي على منصة رقمية لكن داخل مهرجان سينمائي، يمكن أن يُعاد تقديمه ضمن برنامج يربطه بسياق أوسع سياسي أو جمالي—ويُفتح حوله نقاش، فيتحول من عمل هامشي إلى تجربة مركزية. في هذه الحالة، لا تكون البرمجة مجرد اختيار، بل إعادة توزيع للانتباه… وبالتالي إعادة توزيع للمعنى.
فيلم وثائقي بسيط عن قضية محلية، قد يمر مرور الكرام على منصة رقمية وسط مئات الأعمال الأخرى لكن عندما يُعرض ضمن برنامج مدروس داخل مهرجان، ويُوضع بجانب أفلام تتقاطع معه في الفكرة، ويتبعه نقاش مع الجمهور يتحول إلى تجربة مختلفة تمامًا في هذه الحالة، لا تتغير جودة الفيلم، بل تتغير طريقة التلقي وهنا تظهر قوة البرمجة في إعادة تشكيل معنى ما نشاهده، وليس فقط عرضه.
واحدة من أهم إضافات الدراسة أنها ترفض النظر إلى المهرجانات الناشئة كنسخ ناقصة من النماذج الكبرى بل ترى فيها مساحات لإعادة صياغة الممارسات المؤسسية نفسها.
من خلال دراسة حالة مهرجان بورسعيد السينمائي، توضح الفقي أن غياب التقاليد الراسخة ليس ضعفًا بالضرورة بل فرصة لبناء نموذج أكثر مرونة قادر على التفاعل مع السياق المحلي دون الخضوع الكامل لنماذج جاهزة لكن هذه الإمكانية مشروطة بوعي نقدي فالخطر لا يكمن فقط في نقص الموارد فقط بل في استنساخ نماذج لا تنتمي إلى نفس سياق المهرجان
قد يبدو هذا النقاش بعيدًا عن المشاهد العادي لكنه في الحقيقة يخصه بشكل مباشر لأن كل فيلم نشاهده هو نتيجة سلسلة من القرارات غير المرئية من اختاره ، أين وُضع ، وبأي سياق قُدّم.. ما نراه على الشاشة ليس فقط ما صُنع بل ما تم اختياره ليُرى وهذا لا يعني أن المشاهد فاقد للحرية بل أن هذه الحرية تتشكل داخل إطار أوسع من الاختيارات المؤسسية
لا تدعو هذه الدراسة إلى مقاومة التكنولوجيا، بل إلى إعادة التفكير في موقع المهرجانات داخله.
في زمن تهيمن عليه الخوارزميات وأنماط المشاهدة الفردية تظل المهرجانات مساحة نادرة لإعادة بناء التجربة الجماعية وفتح نقاشات لا يمكن اختزالها في “اقتراحات للمشاهدة”.
خلصت الدراسة إلى أن مستقبل المهرجانات السينمائية، خاصة الناشئة، لا يعتمد فقط على حجمها أو تاريخها، بل على قدرتها على تطوير ممارسات مؤسسية مرنة، تجمع بين الوضوح والتجريب، وبين الاستفادة من النماذج القائمة والقدرة على إعادة التفكير فيها.