مع احتفاء العالم في الثالث من مايو بـاليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي أقرته اليونسكو، تتجه الأنظار إلى الكلمة بوصفها سلطة، وإلى الصحفي بوصفه شاهدًا على الحقيقة… أو صانعًا لروايتها، وفي هذه اللحظة التي يُحتفى فيها بحرية التعبير، يطل سؤال آخر من قلب الفن، وهو : كيف رأت السينما هذا الصحفي؟ وكيف أعادت تشكيل صورته؟
في كل مرة تُضاء فيها شاشة السينما، لا تُعرض فقط حكاية، بل تُعاد صياغة الواقع، ويُعاد تشكيله وفق قوانين الدراما، حيث تتراجع التفاصيل لصالح التأثير، وتتقدم المشاعر على حساب الدقة، وهكذا، حين اقترب الفن من عالم الصحافة، لم يكتفِ بنقلها كحرفة، بل حوّلها إلى رمز: مرة للبطولة، ومرة للفساد، ومرة للإنسان الممزق بين مهنته وحياته.
ومن هنا، تتجدد الأسئلة: هل استطاعت السينما أن تنقل صورة الصحفي كما هو في الواقع؟ أم أنها أعادت إنتاجه وفق رؤيتها الخاصة، لتصنع "صحفيًا دراميًا" أكثر منه حقيقيًا؟
منذ البدايات، جذبت شخصية الصحفي صُنّاع السينما، لما تحمله من إمكانات درامية ثرية: صراع مع السلطة، بحث دائم عن الحقيقة، واحتكاك مباشر بالمجتمع بكل تناقضاته، ولذلك، لم يكن غريبًا أن يظهر الصحفي في السينما المصرية بطلاً في مواجهة الفساد، كما في فيلم الغول، حيث قدّم عادل إمام نموذج الصحفي الذي يدفع ثمن كشف الحقيقة في عالم تحكمه المصالح والنفوذ، وفي هذا النموذج، تتحول الصحافة إلى معركة أخلاقية، ويصبح القلم سلاحًا في مواجهة سلطة لا ترى ولا تسمع.
لكن السينما، في المقابل، لم تقع في فخ التقديس المطلق للمهنة، بل كشفت أيضًا عن وجهها الآخر، ففي اللص والكلاب، المأخوذ عن عالم نجيب محفوظ، يظهر الصحفي رؤوف علوان الذي جسده كمال الشناوي كنموذج للانتهازية الفكرية؛ صحفي يُنظّر للتمرد حين يخدمه، ثم ينقلب عليه حين تتغير مصلحته، وهنا، لا تعود الصحافة سلطة رابعة، بل أداة ضمن شبكة من المصالح.
وبين هذين النموذجين، تنوّعت المعالجات، فقدّمت السينما الصحفي كإنسان يعيش الحب والتناقض، كما في يوم من عمري، حيث جسّد عبد الحليم حافظ شخصية صحفي تتحول مهمته المهنية إلى مدخل لعلاقة عاطفية، في طرح يبتعد عن واقعية المهنة لصالح البعد الإنساني، كما اقتربت بعض الأعمال من تفاصيل العمل الصحفي، مثل بطل من ورق، حيث تظهر الصحفية الباحثة عن الحقيقة وسط عالم من الجرائم، أو كشف المستور، الذي قدّمت فيه نبيلة عبيد نموذج الصحفية الاستقصائية التي تلاحق الفساد، وإن كان ذلك في إطار درامي يميل أحيانًا إلى المبالغة، والكوميديا .
ولم تغفل السينما تقديم الصحفي كشخصية مأزومة نفسيًا، كما في عمارة يعقوبيان، من خلال أداء خالد الصاوي، حيث تتداخل الأزمات الشخصية مع المهنية، ليصبح الصحفي هنا ضحية مجتمع بقدر ما هو شاهد عليه.
وعلى المستوى العالمي، اتخذت صورة الصحفي أبعادًا أكثر تعقيدًا. ففي فيلم All the President's Men، تتجسد الصحافة كقوة حقيقية تكشف الفساد السياسي في أعقاب فضيحة ووترجيت، بينما يقدّم Spotlight نموذجًا صارمًا للصحافة الاستقصائية التي تعمل بصمت ودقة لكشف انتهاكات كبرى، وفي المقابل، يكشف Nightcrawler عن الجانب المظلم، حيث تتحول الصحافة إلى تجارة قائمة على استغلال الألم الإنساني.
إن هذا التعدد في الصور يعكس حقيقة جوهرية : السينما لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد تفسيره، فهي تمنح الصحفي أحيانًا صفات البطل الخارق، وأحيانًا تجرده من إنسانيته، وأحيانًا أخرى تضعه في منطقة رمادية بين الصواب والخطأ.
لذلك، فإن صورة الصحافة في الفن ليست مرآة دقيقة، بل رؤية درامية تحمل قدرًا من الحقيقة بقدر ما تحمل من الخيال، وهكذا في كل المهن مثل المحامي والطبيب والممرضة والقاضي والضابط ، فالخيال الفني يتدخل وليس الواقع المعاش لكل مهنة .
في النهاية، يمكن القول إن الفن لم يُنصف الصحافة بشكل كامل، لكنه لم يُجحفها أيضًا، لقد كشف عن تناقضاتها، وضيّء على أدوارها، وطرح أسئلتها الكبرى دون أن يدّعي امتلاك الإجابة. وربما تكمن قيمة هذه الأعمال في أنها لا تقدم حقيقة نهائية، بل تفتح بابًا للتفكير: هل الصحافة كما نراها على الشاشة..أم كما نعيشها في الواقع؟.. وهل الحقيقة نفسها ثابتة، أم أنها كالفن قابلة دائمًا لإعادة الحكي؟