لطالما كانت السينما هي الاختبار الأصعب للمطربين على مدار تاريخها وتاريخهم، فإما أن تمنحهم خلوداً إضافياً كوجوه درامية، أو تظل مجرد "إطار مبهر" لصوت لا يحتاج إلى وسيط، في تجربة الفنان هاني شاكر، يمكننا القول أننا نجد فيها نموذجاً فريداً للفنان الذي لم تفتنه أضواء الشاشة لدرجة التفريط في وقار مشروعه الغنائي.
لم تكن محاولاته السينمائية الخمس مجرد سعياً وراء البطولة، بل كانت "جس نبض" لموهبة شاملة، اختار صاحبها بذكاء وفطرة أن ينحاز في النهاية للمسرح الذي لم يخذله قط: مسرح الأغنية. من هذا المنطلق نستعرض تلك المحاولات، لا من باب رصد الإخفاق أو النجاح، بل من باب الإنصاف لفنان أدرك مبكراً أن صوته هو "البطل الحقيقي"، ففضل أن يظل أميراً في مملكة الطرب على أن يكون أسيراً لنمطية الشاشة، ليثبت أن ابتعاده عن السينما لم يكن إلا انحيازاً لذكائه الفني وحفاظاً على صورة "العاشق المثالي" التي أحبها الجمهور.
هاني شاكر يُعد واحدًا من تلك الأسماء التي ارتبطت في الوعي العربي بالصوت قبل أي شيء آخر، صوت مصقول بعناية، ناعم إلى حد الشفافية، محمّل بجرعة محسوبة من الشجن الرومانسي جعلته لعقود ممثلًا رسميًا لفكرة الحب المهذب، أو ما يمكن أن نصفه بالحب اللطيف، المثالي، الخيالي. غير أن هذه الصورة السمعية لم تكن وحدها ما اشتغل عليه تأسيسه الفني في لحظة صعوده، إذ بدا واضحًا منذ بداياته أن ثمة محاولة لصناعة نجم تتكامل فيه الأذن مع العين، وأن المطرب الشاب الذي خرج من مناخ أكاديمي منضبط ولفت الانتباه سريعًا بصوته، كان مطلوبًا منه أيضًا أن يتحول إلى وجه سينمائي قادر على حمل نفس الرسالة العاطفية التي تحملها أغانيه. من هنا جاءت أفلامه الخمسة التي قدمها في مشواره الفني، لا بوصفها محطات منفصلة، إنما بوصفها مشروعًا شبه متصل لاختبار مدى قابلية هذا الصوت لأن يصبح جسدًا دراميًا.
منذ مشاركته المبكرة في "سيد درويش" (1966) إخراج أحمد بدرخان، كان طفلًا، بدت الكاميرا لا تنفر من حضوره، كانت ملامحه تحمل براءة تلقائية تصلح للاستدعاء، لكن هذه المشاركة لم تكن سوى الإشارة الأولى إلى قابلية شكلية أكثر منها إنجازًا تمثيليًا. الإنجاز الحقيقي الذي راهنت عليه السينما جاء لاحقًا حين شرع اسمه يلمع غنائيًا، فهنا جاءت فكرة استثماره باعتباره بطلًا رومانسيًا جديدًا، خصوصًا أن الساحة كانت لا تزال تحت تأثير النموذج الذي صنعه عبد الحليم حافظ: المطرب الذي لا يكفي أن يُسمع، بل يجب أن يُرى وهو يحب ويتألم ويغني داخل الحكاية. لهذا جاءت أفلام مثل "عندما يغني الحب" (1973) إخراج نيازي مصطفى، "عايشين للحب" (1974) إخراج أحمد ضياء الدين، "هذا أحبه وهذا أريده" (1975) إخراج حسن الإمام، "المصباح السحري" (1977) إخراج فتحي عبد الستار، امتدادًا لهذه الفكرة، أفلام لا تبحث عن ممثل بقدر ما تبحث عن صورة.
هنا تحديدًا تكمن أزمة هاني شاكر السينمائية وفرادتها معًا. لقد كان يملك كل المقومات الخارجية التي تجعل منه صالحًا للشاشة: وجه وسيم بلا حدة، نظرة خجولة، حضور ناعم، أناقة لا تزعج العين. لكنه حين وقف داخل المشهد الدرامي لم يتصرف كممثل يخلق شخصية، بل كمطرب يحمل معه شخصيته الأصلية إلى داخل الفيلم. كان يدخل كل عمل وهو هاني شاكر نفسه: نفس التهذيب، نفس الحساسية المفرطة، نفس الطريقة التي يبدو بها الحب أقرب إلى أغنية منه إلى صراع إنساني. لهذا لم يشعر المتفرج يومًا أنه يشاهد ممثلًا يتلون، بل نجمًا غنائيًا تتكرر صورته في ظروف درامية مختلفة، لقد تعامل هاني شاكر مع الكاميرا بـ"حذر المطرب" الذي يخشى خدش صورته المثالية أمام معجبيه، فافتقدت أدواره "النتوءات النفسية" التي تجعل الشخصية السينمائية حية ومقنعة، مكتفياً بجمالية الحضور على حساب عمق الأداء.
في "عندما يغني الحب" يظهر هذا الأمر بوضوح، فالفيلم كله مبني على استثمار صوته وملامحه أكثر من استثمار قدرته على التمثيل، كأن السيناريو يتحرك كي يتيح له أن يغني ويتأمل ويبدو عاشقًا. ثم يأتي "عايشين للحب" ليعيد إنتاج الصورة ذاتها في إطار أكثر خفة واستعراضًا، بينما يحاول "هذا أحبه وهذا أريده" أن يضعه في مساحة عاطفية أكثر تعقيدًا، لكن النتيجة لا تتغير كثيرًا، لأن هاني شاكر لا يمتلك الانفجار الداخلي الذي يجعل الشخصية تتجاوز وسامتها إلى توترها. حتى حين يُفترض أن يعيش صراعًا، فإنه يظل صراعًا مهذبًا، مصقولًا، أقرب إلى الألم المنخفض الذي يصلح للكوبليه الغنائي أكثر مما يصلح للحظة تمثيلية حادة. أما "المصباح السحري" فكان تتويجًا لهذا الاستخدام الاستعراضي له، حضور محبوب، اسم جماهيري، ووجه يصلح لأن يكون جزءًا من فرجة خفيفة، دون أي رهان حقيقي على ممثل يتطور.
الحقيقة أن المتأمل في هذه الأفلام الخمسة يكتشف أن السينما لم تمنح هاني شاكر شخصية واحدة تتحدى صورته، ولم يبدُ هو نفسه راغبًا في تحديها. لم نره خارج منطقة العاشق الرقيق، ولم نره يغامر في دور يقتضي خشونة أو تناقضًا أو حتى خفة ظل منفلتة. كان حبيسًا للصورة التي نجحت في الغناء: أمير المشاعر الرقيقة. هذه الصورة، التي صنعت مجده الموسيقي، صارت في السينما قفصًا ذهبيًا، جميلة من الخارج لكنها تمنع التحول، فقد ظل حريصًا أن يبقى كما تعرفه الجماهير: ناعمًا، نظيفًا، عاطفيًا، بلا كسور، هذا التمسك بـ "البرستيج" الفني حمى نجوميته كمطرب، لكنه لم يمنح فرصة لفن التمثيل.
لهذا لم تصنعه السينما نجم تمثيل رغم أنها لم تبخل عليه بالبطولة، لأن البطولة وحدها لا تكفي. كانت أفلامه أقرب إلى فيديوهات طويلة لصورة المطرب الرومانسي منها إلى تجارب درامية تنتج ممثلًا. لقد شاهد الجمهور هاني شاكر على الشاشة كما يسمعه في الأغنية: رجلًا يحب بصوت منخفض، يتألم دون ضجيج، يبدو دائمًا كما لو أنه يخشى أن يجرح إحساس أحد. هذا في الغناء فضيلة كبرى، لكنه في التمثيل يصبح حدًا من حدود الإمكان.
من هنا تبدو تجربة هاني شاكر السينمائية تجربة كاشفة لا لأنها ناجحة تمامًا أو فاشلة تمامًا، بل لأنها تكشف الفرق الدقيق بين الكاريزما الغنائية والكاريزما الدرامية. فقد كان بلا شك نجمًا محبوبًا أمام الكاميرا، لكن الحب وحده لا يصنع ممثلًا، كما أن "الفوتوجينية" لا تخلق شخصية. بقيت أفلامه الخمسة شاهدًا على أن السينما حاولت أن تصنع من صوته وجهًا، لكنها في النهاية اكتشفت أن هذا الفنان خُلق لكي يُسمع أكثر ويُشاهد أكثر على مسرح الأغنية، وأن المسافة بين المطرب الذي يفتن الأذن والممثل الذي يحتل الشاشة أوسع بكثير مما تبدو عليه.
على أية حال، يظل ابتعاد هاني شاكر عن السينما مبكراً ذكاءً فنياً يحسب له، إذ أدرك أن أسطورته تكتمل في "الحناجر" لا في "الكادرات"، مفضلاً أن يترك الشاشة لمن يجيد تقمص وجوه الآخرين، محتفظاً هو بوجهه الواحد والأصيل في قلوب محبيه.