في أجواء صحراوية آسرة، احتضنت منطقة القلعة من ولاية قبلي فعاليات الدورة السادسة من المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء، التي امتدت من 29 أفريل إلى 03 ماي 2026، في تظاهرة فنية كرّست حضورها كموعد ثقافي يتجاوز حدود الفرجة التقليدية نحو تجربة مسرحية حيّة، يتداخل فيها الإبداع مع التلقي، وتُعاد فيها صياغة علاقة الجمهور بالفعل المسرحي داخل فضاء مفتوح على الامتداد والرمل والسماء.
هذه الدورة لم تكن مجرد محطة احتفالية بالمسرح في الصحراء، بل بدت أقرب إلى لحظة تأمل نقدي في معنى المسرح ذاته: من يصنع العرض؟ ومن يمنحه دلالته النهائية؟ هل هو الممثل فوق الركح، أم الجمهور الذي يلتقط الإشارة ويحوّلها إلى معنى حيّ ومتجدد داخل لحظة الفرجة؟
ضمن برمجة هذه الدورة، برز عرض “الهاربات” الذي قدّم معالجة جريئة لأسئلة الحرية والقيود الاجتماعية، عبر كتابة ركحية مشحونة بالتوتر الإنساني وبحث دائم عن الانفلات من العوالم المغلقة وإعادة التفكير في معنى التحرر. كما شكّل العرض القطري “101 ليلة وليلة” إضافة نوعية، من خلال إعادة الاشتغال على المخيال الحكائي العربي، ومزج التراث بتأويل معاصر يوظف الصورة والخيال والفرجة البصرية في بناء خطاب مسرحي متجدد.
أما في لحظة الختام، فقد كان عرض “ملحمة قصر السراء” بمثابة لوحة فرجوية واسعة، امتزجت فيها الموسيقى بالأداء الجماعي والصورة المسرحية، في محاولة لصناعة ذاكرة مشتركة بين الفنانين والجمهور داخل فضاء صحراوي يمنح العرض بعداً احتفالياً وإنسانياً مضاعفاً، ويحوّل المشاهدة إلى تجربة حسّية كاملة.
غير أن أبرز ما ميّز هذه الدورة لم يكن فقط تنوع العروض، بل حضور الجمهور نفسه الذي لعب دوراً محورياً في إعادة تشكيل معنى الفرجة. فقد كان جمهور القلعة جمهوراً وفياً ومشاركاً، لا يكتفي بالمشاهدة، بل يتفاعل ويمنح العروض نبضها الحقيقي. تصفيقاته، تفاعله اللحظي، وحتى صمته في بعض اللحظات، تحوّل إلى جزء من الكتابة المسرحية غير المرئية التي تكتمل بها العروض.
.jpeg)
الدورة السادسة للمهرجان الدولي للمسرح
.jpeg)
الدورة السادسة للمهرجان الدولي للمسرح
.jpeg)
الدورة السادسة للمهرجان الدولي للمسرح
.jpeg)
الدورة السادسة للمهرجان الدولي للمسرح
من هذا المنظور، يمكن القول إن الدورة السادسة من المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء بالقلعة نجحت في إعادة طرح سؤال “التلقي المسرحي” داخل سياق حيّ ومفتوح، حيث لم يعد الجمهور مجرد متفرج، بل شريكاً فعلياً في إنتاج الدلالة المسرحية وصناعة لحظتها الجمالية.
وفي المجمل، يواصل المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء ترسيخ موقعه كتجربة فنية وإنسانية خاصة، تعيد وصل المسرح بجذوره الأولى كفعل جماعي حيّ، وتمنح للجمهور مكانته الطبيعية: في قلب الفرجة، لا على هامشها.