جمال عبد الناصر يكتب : نمنح الورد للنعوش ونبخل به على الأحياء

الكاتب الصحفي والناقد الفني جمال عبد الناصر الكاتب الصحفي والناقد الفني جمال عبد الناصر
 
كتب : جمال عبد الناصر

 

عرفت الفنانة سهام جلال منذ سنوات، حين طلب مني الفنان محمد صبحي ترشيح ممثلة لإحدى البطولات النسائية في أحد مشروعاته المسرحية، ويومها طرحت عليه أسماء عدد من الممثلات اللاتي رأيت أنهن الأقرب إلى ملامح الشخصية التي كان يبحث عنها، وكان من بينهن سهام جلال، التي وقع عليها اختياره في النهاية.

تواصلت معها، وذهبنا معًا إلى مدينة سنبل للقاء الفنان محمد صبحي، وأتذكر جيدًا سعادتها الغامرة بذلك الترشيح، وحماسها لخوض تجربة العمل معه، فقد كانت ترى في الأمر فرصة فنية مهمة ومصدرًا للفخر والاعتزاز.

دار اللقاء في أجواء ودية ومثمرة، غير أن ظروفًا عائلية خاصة كانت تمر بها آنذاك حالت دون مشاركتها في العمل، فاضطرت إلى الاعتذار بكل رقي واحترام، شاكرةً للفنان محمد صبحي ثقته فيها، ومؤكدةً أمنيتها أن يجمعهما عمل آخر في وقت تكون فيه ظروفها أكثر ملاءمة.

ورغم أن المشروع لم يكتمل بالنسبة لها، فإن خيوط الود لم تنقطع بيننا، وظل التواصل قائمًا على فترات متباعدة، تحكمه المحبة والتقدير، وكان آخر ما جمعنا رسالة تهنئة متبادلة بمناسبة شهر رمضان الكريم، حديثًا عابرًا في ظاهره، لكنه كان يحمل دفء السنوات وصدق المشاعر.

سهام جلال لم تصبح خبرًا مهمًا إلا بعد أن غابت.. فجأة امتلأت الصفحات بصورها، وتدفقت الكلمات، وتسابقت الكاميرات، وازدحمت مواقع التواصل الاجتماعي بالأخبار والتعليقات والتأبين، وكأن الجميع اكتشف موهبتها في اللحظة نفسها التي أغمضت فيها عينيها إلى الأبد.

السؤال الذي يتركه رحيل سهام جلال وغيرها من الفنانين المنسيين : أين كان كل هذا الاهتمام وهي على قيد الحياة؟.. وكم مرة حاولت أن تقول : أنا هنا ؟.. وكم مرة خرجت تبحث عن فرصة، أو دور، أو مساحة صغيرة تحت الضوء تثبت من خلالها أنها ما زالت قادرة على العطاء؟

كانت، مثل كثير من أبناء المهنة، تعرف أن الفن ليس مجرد وظيفة يمكن استبدالها بأخرى، بل هو حياة كاملة، والفنان حين يُقصى عن عمله لا يفقد مصدر رزقه فقط، بل يفقد جزءًا من روحه أيضًا، وسنوات طويلة مرت وهي تحاول أن تتمسك بمكانها في ذاكرة الناس وصناعة لا ترحم، تطل عبر شاشة هنا، أو لقاء هناك، أو منشور على مواقع التواصل، كأنها تلوح للجميع قائلة: "أنا ما زلت موجودة"، لكن الضجيج كان أعلى من صوتها، والسباق كان أسرع من خطواتها.

واليوم، بعد الرحيل، أصبحت فجأة محط الأنظار الكاميرات التي لم تبحث عنها وهي حية، جاءت تلاحق نعشها، والعدسات التي لم تلتفت إلى وحدتها، ازدحمت حول لحظة وداعها الأخيرة، والصفحات التي لم تجد لها مساحة وهي تكافح، وجدت عشرات المساحات للحديث عنها بعد أن صمتت إلى الأبد.. إنها المفارقة الأكثر قسوة في حياة الفنان : أن يضطر إلى الموت حتى يتذكره الجميع، فكم من موهبة عاشت على الهامش بينما كانت تستحق قلب المشهد ؟ وكم من فنان رحل قبل أن يسمع كلمة تقدير كان يحتاجها وهو حي أكثر مما يحتاجها بعد الرحيل؟

رحلت سهام جلال، لكنها تركت خلفها سؤالًا أكبر من الغياب نفسه: لماذا نجيد رثاء الفنانين أكثر مما نجيد احتضانهم؟.. ولماذا نتقن صناعة الجنازات أكثر من صناعة الفرص؟.. ولماذا نمنح الورد للنعوش بسخاء، بينما نبخل به على القلوب وهي ما تزال تنبض؟

رحلت سهام جلال إلى رحمة الله، إلى عدالة أرحم من عدالة البشر، وإلى تقدير لا تحكمه حسابات الشهرة ولا مصالح المهنة ولا تقلبات السوق، أما نحن، فبقي لنا أن نتأمل المشهد كله في صمت، وأن نتذكر أن أجمل ما يمكن أن نقدمه للفنان ليس دمعة بعد رحيله، بل يدًا تمتد إليه وهو ما يزال بيننا.


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر