بوكس العيلة.. حين يصبح الضحك طريقًا إلى العائلة
أفضل أنواع الكوميديا هي التي تنبع من موقف إنساني صرف ..هكذا قال الفيلسوف والكاتب الفرنسي Henri Bergson / هنري برجسون واصفا أفضل أنواع الكوميديا، فالضحك في جوهره ليس مجرد استجابة لموقف طريف أو إفيه عابر، وإنما هو في كثير من الأحيان انعكاس لعيوبنا الصغيرة، وعلاقاتنا، وتناقضاتنا اليومية، وما نفعله حين نضع الإنسان أمام نفسه في مرآة ساخرة.
ولأن الكوميديا الحقيقية لا تنفصل عن الإنسان، فإن المسرح الكوميدي يظل واحدًا من أصعب ألوان المسرح؛ فإضحاك الجمهور ليس مهمة سهلة، والأصعب أن تضحكه دون أن تستدرجه إلى الإسفاف، وأن تمنحه المتعة دون أن تتخلى عن الفكرة، وأن تجعل الضحكة ممتدة من الموقف والشخصية والعلاقات، لا من مجرد «إفيه» ينتهي بانتهاء لحظته.
ومن هنا تأتي أهمية أي تجربة مسرحية خاصة تستعيد جمهور الكوميديا إلى خشبة المسرح، خصوصًا في زمن أصبح فيه الجمهور محاصرًا بعشرات الوسائط التي تقدم له الضحك جاهزًا وسريعًا، لذلك كانت سعادتي بدعوة النجم والصديق سامح حسين إلى مسرح طيبة بمدينة نصر لمشاهدة مسرحية بوكس العيلة، ليس فقط لأنني أمام عرض كوميدي جديد، ولكن لأنني أمام محاولة لاستعادة علاقة افتقدناها طويلًا بين المسرح الخاص والجمهور.
لقد ذهبت لمشاهدة العرض وأنا سعيد بفكرة وجود مسرح خاص يتوجه إليه الجمهور، فهذا النوع من المسرح غاب لفترة طويلة، وأي مشروع يعيد الجمهور إلى الخشبة يستحق الدعم والتأمل، وسامح حسين تحديدًا فنان محب للمسرح، أعرفه عن قرب، وقد جمعتني به خشبة المسرح من قبل، فهو زميلي في مركز الإبداع الفني مع المخرج خالد جلال، ومن أبناء الدفعة الأولى التي أطلق عليها خالد جلال "الدفعة الذهبية".
بوكس العيلة.. تجربة تنتمي إلى الكوميديا الاجتماعية، من تأليف أحمد الملواني، وقصة وإخراج إسلام إمام، وألحان يحيى نديم، وديكور حمدي عطية، وتصميم الاستعراضات ضياء شفيق، وأشعار طارق علي، وملابس أحمد شربي، فيما يتولى سامح حسين إنتاج العمل.

مسرحية بوكس العيلة والكوميديا الراقية
منذ المشهد الأول يضعنا العرض أمام عائلة مصرية بكل ما تحمله العائلة من علاقات وتناقضات ومواقف قابلة لأن تتحول إلى مادة للضحك، نحن أمام الدكتور «ناجح»، طبيب التجميل الذي يجسده سامح حسين، وزوجته التي تعمل طبيبة علاقات أسرية، يستعدان لزفاف شقيقته التي تقدم شخصيتها نورهان أبو سريع، فيبدأ الدكتور ناجح في استدعاء أفراد أسرته، لتتحول المناسبة العائلية إلى مساحة واسعة من المفارقات والصدامات والكوميديا.
لكن العرض لا يتوقف عند حدود «حفلة الفرح» أو المواقف التي تنتج عنها، وإنما يستخدم هذه العائلة بوصفها نموذجًا مصغرًا للمجتمع، ليطرح من خلالها قضية أصبحت أكثر إلحاحًا في حياتنا اليومية: ماذا حدث للعائلة في زمن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي؟
وهنا تكمن قيمة «بوكس العيلة»؛ فالكوميديا ليست منفصلة عن مضمون اجتماعي واضح، وتأتي دعوة العرض إلى استعادة التواصل الإنساني الحقيقي، والتمسك بالعائلة، والتأكيد على قيمة الوقوف إلى جانب أفراد الأسرة في أوقات الشدة قبل الرخاء، وهنا تحديدًا يصبح عنوان العرض " بوكس العيلة" دالًا على عالمه؛ فالعائلة ليست مجرد مجموعة من الشخصيات تتحرك داخل البيت، وإنما «بوكس» مغلق يحتوي الجميع، بكل ما بينهم من حب وخلافات وذكريات وأسرار ومواقف، وما إن يبدأ الصراع حتى تتكشف طبيعة كل شخصية.

النجم سامح حسين في عرض بوكس العيلة

ايات مجدي وسامح حسين
سامح حسين.. كوميديا بلا ابتذال
سامح حسين واحد من النجوم الذين يعرفون جيدًا كيف يصنعون الضحكة دون أن يدفعوا ثمنها من رصيد العمل الفني، ويمتلك سامح كاريزما كوميدية واضحة، والأهم أنه يعرف كيف يستخدمها في خدمة الشخصية والموقف، وليس على حسابهما، وفي «بوكس العيلة» يقدم شخصية الدكتور «ناجح» بخفة ظل تعتمد على البناء التدريجي للموقف، وعلى نص مكتوب بتتابع كوميدي وتصاعد في الأحداث.
واللافت أن سامح لا يحاول أن يسرق المشهد من زملائه، وإنما يتحرك داخل البناء الجماعي للعرض، وهو أمر مهم جدًا في الكوميديا المسرحية؛ لأن نجاح المشهد لا يصنعه نجم واحد، وإنما تصنعه العلاقة بين الشخصيات وتوقيت الدخول والخروج ورد الفعل.

جانب من بوكس العيلة اخراج اسلام امام
إسلام إمام.. بساطة تصنع الإيقاع
من أفضل ما في العرض إخراجيًا تلك البساطة التي لم تتحول إلى فقر بصري أو حركي، وإنما أصبحت جزءًا من فلسفة العرض، فالمخرج إسلام إمام يعرف أن الكوميديا تحتاج إلى ضبط شديد في حركة الممثلين، لأن كثرة الحركة لا تعني بالضرورة كثرة الضحك، وأحيانًا تكون السكينة، ونظرة العين، وطريقة الوقوف، وانتظار رد الفعل، أكثر إضحاكًا من عشر حركات زائدة.
وهذا ما يلفت النظر في إدارة المخرج للممثلين؛ فالحركة مرسومة بدقة، وحين يستدعي الموقف حركة فإنها تأتي بوصفها جزءًا من الكوميديا نفسها، وقد جاءت البساطة كذلك في بناء المكان، فالديكور الذي صممه حمدي عطية يعتمد على الشاشات، ويظل ثابتًا طوال العرض، باعتبار أن الأحداث تدور بالكامل داخل منزل الدكتور ناجح، وهذه الثباتية خدمت العرض لأنها جعلت التركيز الأساسي على الشخصيات والعلاقات والمواقف، أما ملابس أحمد شربي فجاءت منسجمة مع طبيعة الشخصيات ومستوياتها الاجتماعية والثقافية، دون مبالغة أو افتعال.
طارق علي.. الأغنية التي خرجت من قلب الدراما
من العناصر التي توقفت أمامها أيضًا أشعار طارق علي، الذي يثبت مرة أخرى أنه يمتلك حسًا مسرحيًا في كتابة الأغنية، فالأهم في الكتابة الغنائية داخل المسرح ألا تبدو الأغنية دخيلة على الحدث، وأن تكون امتدادًا للدراما لا استراحة منها، وهذا ما تحقق في عدد من أغنيات العرض، وبشكل خاص أغنية " تحويشة السنين " التي جاءت من نسيج الحكاية نفسها، وقد نجح سامح حسين ونورهان أبو سريع في تقديمها بأداء يحمل قدرًا من الصدق والمشاعر، لتتحول الأغنية من مجرد فقرة غنائية إلى لحظة إنسانية تستدعي علاقة كل منا بأخته، وذكرياته معها، ومعنى الأسرة في حياتنا.. ومن كلماتها :
هو:
إنتي عارفة إنتي مين
دا انتي تحويشة السنين
إنتي أختي .. إنتي بنتي
يعني كل الدنيا إنتي
وف حياتي نور حياتي
وذكرياتي والحنين
هي :
إنت عارف .. إنت ايه
حضن كل أماني فيه
إنت أقرب حد ليا
بين إيديك فتحت عنيا
وانت ف الدنيا دي ضهري
اللي انا بسند عليه..
- الكوميديا الجماعية.. عندما يصبح كل ممثل جزءًا من الضحكة
ميزة أخرى في «بوكس العيلة» أن الكوميديا ليست محمولة بالكامل على كتفي سامح حسين؛ فكل ممثل يدخل إلى العرض من منطق شخصيته، ويقدم كوميديا تتناسب مع قدراته وطبيعة الدور والموقف الذي تضعه فيه الأحداث، وتلفت آيات مجدي الانتباه بتركيبة كوميدية لها خصوصيتها؛ فهي لا تعتمد على افتعال الضحك، وإنما تستخرج الكوميديا من تفاصيل الشخصية ومن الموقف، وقد شكلت مع سامح حسين دويتو جيدًا خلال العرض، أما نورهان أبو سريع، في شخصية شقيقة الدكتور ناجح، فتملك خفة دم واضحة، وخفة حركة، وسرعة بديهة وذكاء في التعامل مع مساحة المسرح.
ولدينا أيضًا أكثر من موهبة كوميدية، من بينها عبد العزيز حسين في شخصية ابن خالة الدكتور ناجح، وإسلام صلاح في شخصية عمه؛ فكلاهما يمثل مصدرًا مهمًا للإفيه، وكل ظهور لهما يحمل بصمته الكوميدية الخاصة، كما تقدم سهيلة الأنور، ونيفين الأغا، وصافي فهمي شخصياتهن في إطار ما رسمه النص والإخراج، ويضفن إليها خفة الظل والأداء النابع من الموقف.
وكانت سهيلة الأنور لافتة بشكل خاص في شخصية زوجة عم الدكتور ناجح القادمة من الصعيد، بينما تميز أيضًا محمد عصام في دور خطيب شقيقة ناجح، وحامد الزناتي في شخصية الرجل العجوز، وعمر عدلي في شخصية الطفل العملاق.
وهنا تظهر أهمية الكوميديا الجماعية؛ فالمسرح لا ينجح حين يضحك الجمهور من النجم وحده، وإنما حين يصبح كل فرد على الخشبة جزءًا من آلة الضحك الدرامية.

جانب من عرض بوكس العيلة

سامح حسين في مسرحية بوكس العيلة اخراج اسلام امام

سامح حسين وايات مجدي
المسرح للجميع.. الضحكة بداية الطريق
مسرحية " بوكس العيلة " ليس مجرد عرض كوميدي مستقل، وإنما يمثل ضربة البداية لمشروع فني جديد يتبناه سامح حسين تحت عنوان " المسرح للجميع"، وهو مشروع يستهدف تقديم عروض مسرحية في محافظات مصر المختلفة، وإعادة الجمهور إلى المسرح، إلى جانب دعم المواهب الشابة وإتاحة الفرصة لها للوقوف على خشبة المسرح.
وهذه الفكرة في حد ذاتها تستحق التوقف أمامها؛ لأن أزمة المسرح لا ترتبط دائمًا بغياب الجمهور، وإنما أحيانًا بغياب المشاريع التي تعرف كيف تصل إليه، وتفهم ما الذي يريده دون أن تستسلم لابتذال ذائقته، فالمسرح الخاص يحتاج إلى أن يستعيد دوره، والكوميديا تحديدًا تحتاج إلى أن تستعيد مكانتها كفن قادر على الجمع بين المتعة والفكرة، و" بوكس العيلة "يذهب في هذا الاتجاه؛ يضحكنا، لكنه لا ينسى أن يقول شيئًا، ويأخذنا إلى بيت مصري، يجعلنا نضحك من تفاصيل نعرفها، ثم يتركنا أمام سؤال إنساني أكبر من الضحكة نفسها: العائلة التي أصبحت تعيش تحت سقف واحد، بينما يعيش كل فرد منها في عالمه الخاص، هل ما زال بإمكانها أن تستعيد دفء البيت وأن تكون سندا لبعضها البعض ؟.. ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يتركها العرض بعد أن تهدأ الضحكات.
فالمسرح في النهاية ليس مكانًا نذهب إليه فقط كي نضحك، وإنما مكان نذهب إليه كي نرى أنفسنا، وفي «بوكس العيلة» رأينا أنفسنا في مرآة كوميدية خفيفة، بسيطة، قريبة من البيت المصري، ومن هنا تأتي أهمية التجربة؛ لأنها تضع الضحكة في مكانها الصحيح: بداية للمتعة، وطريقًا إلى الإنسان.

سامح حسين يحقق مقولة المسرح للجميع