جمال عبد الناصر يكتب : ابتسامة دخلت التاريخ ولم تغادره

الفنانة فرح فاوست الفنانة فرح فاوست
 
كتب جمال عبد الناصر

 

قبل أن يتعلّم العالم كيف يصنع " التريند " ، وقبل أن تتحول الأنوثة إلى صورة عابرة على شاشة، كانت فرح فاوست حدثًا بصريًا وإنسانيًا مكتملًا. لم تكن مجرد نجمة جميلة، بل موجة جمال جارفة اجتاحت الوعي الجمعي، وجعلت من الأنوثة خطابًا عالميًا بلا ترجمة. بابتسامتها وشعرها المتحرر ونظرتها الواثقة، صارت فرح رمزًا سبق عصره، وأيقونة علّمت العالم كيف يُقلَّد الجمال قبل أن يُعاد نشره.

وُلدت فرح فاوست في الثاني من فبراير عام 1947، وفي أواخر الستينيات بدأت خطواتها الأولى داخل عالم الفن من بوابة الإعلانات التجارية والبرامج التلفزيونية. كان حضورها طاغيًا حتى قبل النجومية، وكأن الكاميرا تعرف مسبقًا أنها أمام وجه لن يمرّ مرور العابرين. إعلانها الشهير لمنتج بلسم الشعر من شركة «Wella» لم يكن مجرد دعاية تجارية، بل لحظة تأسيس لصورة ستصبح لاحقًا واحدة من أكثر الصور انتشارًا في الثقافة الشعبية، حيث تحولت تسريحة شعرها إلى توقيع جمالي قلدته ملايين الفتيات حول العالم.

جاء التحول الحاسم في مسيرتها عام 1976، مع بث الحلقة الأولى من مسلسل «تشارليز إنجيلز»، حين ظهرت فرح فاوست في دور «جيل مونرو»، ولم يكن الدور مجرد انطلاقة جماهيرية، بل لحظة تثبيت للأسطورة. على شاشة التلفزيون، بدت فرح وكأنها تمشي بين الخفة والقوة، بين الإغراء والذكاء، لتصبح بسرعة واحدة من أهم نجمات الشاشة الصغيرة في تاريخها، ووجهًا لا يمكن فصله عن ذاكرة السبعينيات.

غير أن فرح فاوست، التي كان في وسعها الاكتفاء بمكانتها كرمز للجمال، اختارت طريقًا أكثر صعوبة. تمردت على الصورة السهلة، وسعت إلى إثبات ذاتها كممثلة حقيقية قادرة على اقتحام المناطق المعتمة في النفس البشرية. في أعمال مثل «The Burning Bed» و«Nazi Hunter: The Beate Klarsfeld Story» و«Poor Little Rich Girl: The Barbara Hutton Story» و«Small Sacrifices»، كشفت فاوست عن طاقة تمثيلية عميقة، وقدرة على تقديم شخصيات معقدة، قاسية أحيانًا، وغير معنية بإرضاء المتلقي، بقدر ما هي معنية بقول الحقيقة.

في حياتها الخاصة، عاشت فرح تحت ضوء الشهرة كما عاشت على الشاشة، وتزوجت من الممثل الأمريكي لي ماجورز، نجم مسلسل «رجل الستة ملايين دولار»، في فترة مثّلت ذروة بريقهما معًا، قبل أن ينفصلا عام 1982. كما ارتبطت لاحقًا بعلاقة طويلة مع الممثل رايان أونيل، وأنجبت منه ابنها ريدموند عام 1985، لتظل حياتها الإنسانية جزءًا من حكاية امرأة لم تختبئ يومًا من الضوء.

في أكتوبر 2006، دخلت فرح فاوست معركتها الأصعب، حين شُخّصت إصابتها بسرطان الشرج. ورغم قسوة المرض، واجهته بشجاعة نادرة، وبشفافية إنسانية جعلت من رحلتها مصدر إلهام يتجاوز حدود الشهرة. وبرغم إعلان نجاح العلاج عام 2007، عاد المرض مرة أخرى، إلى أن أسدل الستار على حياتها في 25 يونيو 2009.

في ذكرى ميلادها، لا تعود فرح فاوست بوصفها صورة معلقة في الذاكرة فحسب، بل كحالة فنية وثقافية كاملة، وامرأة كانت الجمال لديها موقفًا، والأنوثة فعل حضور، والنجومية مسؤولية، وكانت «التريند» قبل أن يولد المصطلح، وبقيت أسطورتها حية، لأن بعض الوجوه لا يبهت نورها، مهما تغيّر الزمن.


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر