لم أكن أتابع الجزء الأول من مسلسل "النص " للنجم أحمد أمين بصفته عملاً كوميديًا فحسب، بل كنت أراه ــ منذ حلقاته الأولى ــ مشروعًا دراميًا يستعيد لحظة تاريخية شديدة الثراء، ويغلفها بخفة ظل ذكية، كأن الضحك هنا ليس غاية بل وسيلة مقاومة، واليوم، وأنا في انتظار جزئه الثاني «النص التاني»، أجدني أترقب عملاً أتصور أنه سيكون الأنجح والأكثر اكتمالًا، بعدما رسّخ الجزء الأول أقدامه في منطقة نادرة بين الكوميديا والتاريخ والسياسة.
صُنِّف المسلسل ضمن الأعمال الكوميدية، لكنه ــ في تقديري ــ أقرب إلى دراما تاريخية ذات طابع ساخر، فنحن أمام ثلاثينيات القرن العشرين، زمن الاحتلال الإنجليزي، وزمن البوليس السياسي، وزمن الأسئلة الكبرى حول السلطة والعدالة والمقاومة، وكل ذلك يُقدَّم عبر حكاية نشال بسيط يتحول إلى بطل شعبي، يقود مقاومة ضد المحتل، في مفارقة درامية شديدة الدلالة.
شخصية «عبد العزيز النص» ليست مجرد بطل شعبي طريف، بل هي استعارة درامية عن الإنسان المصري حين تدفعه قسوة الواقع إلى إعادة تعريف ذاته، من هامش المجتمع إلى قلب الفعل الوطني، من السرقة الصغيرة إلى المقاومة الكبرى، وهنا لا يتحول النشال إلى بطل بفعل معجزة، بل بفعل وعي يتشكل تدريجيًا، وبفعل إحساس عميق بالانتماء، كأن الوطن ــ رغم قسوته ــ يظل النداء الأعلى.
في أداء أحمد أمين تتجلى عبقرية التحول، فهو يقدم «عبد العزيز النص» بخفة ظل تبدو عفوية، لكنها في العمق محكومة بوعي دقيق بإيقاع الشخصية وتطورها، وأداؤه سهل ممتنع؛ لا يفتعل الضحك، ولا يستجديه، بل يتركه يتولد طبيعيًا من الموقف، والأهم أنه يمنح الشخصية أبعادها الثلاثة : الاجتماعي، والنفسي، والجسدي، فتغدو من لحم ودم.
نرى في ملامحه صراعًا صامتًا بين ماضيه كنشال، وحاضره كمقاوم، ونلمح في صوته ترددًا يتحول إلى يقين، ونتابع خطواته وهي تنتقل من دروب الجريمة إلى ساحات المواجهة، نه أداء يؤكد أن أحمد أمين ليس كوميديانًا فحسب، بل ممثل متعدد الأدوات، قادر على أن يلامس التراجيديا بصدق لا يقل احترافًا عن براعته الكوميدية.
من أهم ما يميز العمل أنه يقدم رؤية سياسية مبطنة بالكوميديا، ويؤرخ لفترة البوليس السياسي، ويكشف ما له وما عليه، ويرصد فساد السلطة وتواطؤها مع الملك، بعيدًا عن رقابة وزارة الداخلية، في صورة درامية تفتح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات.
كما يبرز المسلسل دور المهمشين: النشالون، الصعاليك، أولئك الذين كانوا على أطراف المشهد الاجتماعي، فإذا بهم يتحولون إلى قوة وطنية منظمة، وهنا تصبح المقاومة فعلًا جماعيًا، لا بطولة فردية، ونجاح «عصابة النص» لم يكن رهين شجاعة فرد، بل ثمرة تنظيم وعمل مشترك، في مواجهة بطش الاحتلال وجبروته.
أكثر ما أعجبني في الجزء الأول هو تأكيده أن النجاة لا تتحقق إلا بالفعل الجماعي المنظم، فالوطن لا يُستعاد ببطولة عابرة، بل بتكاتف الإرادات، والتحول الذي شهده «عبد العزيز النص» لم يكن تحولًا أخلاقيًا فرديًا فقط، بل كان انتقالًا من منطق المصلحة الشخصية إلى منطق التضحية من أجل الله والوطن.
وهذا البعد الإنساني هو ما منح العمل صدقه وعمقه، وجعله يتجاوز حدود الترفيه إلى مساحة التأمل في معنى الانتماء، خاصة في زمن سياسي مضطرب.
إنني أترقب «النص التاني» بشغف ناقد لا يكتفي بالمتعة، بل يبحث عن اكتمال الرؤية، وأتمنى أن يواصل العمل اشتغاله على التاريخ بوصفه مرآة للحاضر، وأن يعمق من صراعاته السياسية والاجتماعية، دون أن يفقد روحه الساخرة التي كانت سر تفرده، وأدعو الجمهور إلى متابعة هذا المسلسل المكتوب بحرفية شديدة، والذي يجمع ممثلين متميزين، يعرف كل منهم تاريخ شخصيته، ويجسدها بأبعادها الثلاثة، ليصنع منها كائنًا حيًا نابضًا.
" النص " لم يكن مجرد مسلسل ناجح وسط أعمال كوميدية، بل كان بيانًا دراميًا عن قدرة الفن على إعادة قراءة التاريخ بلغة قريبة من الناس، وفي انتظار «النص التاني»، يبقى الأمل أن يكون أكثر نضجًا، وأعمق طرحًا، وأشد تأثيرًا، وأن يؤكد مجددًا أن الضحك قد يكون أحيانًا أكثر الأسلحة جدية.