" شريان الفن " Artery يبحث تأثير الفورمات العالمية على الإبداع العربي

جانب من الأمسية الثقافية جانب من الأمسية الثقافية
 
في أمسية ثقافية ثرية عُقدت مساء أمس، احتضن صالون شريان الفن – Artery ندوة نقدية استثنائية طرحت سؤالًا ملحًا حول تحولات الفن والهوية في زمن الشاشات، واللقاء الذي أداره الناقد هاني منسي، واستضاف كلاً من د. إيمان عز الدين ود. أشرف راجح.
 
الصالون جاء ليعيد فتح ملف «القوالب الجاهزة» (Format) وتأثيرها على روح السينما، مستلهمًا إرث لويجي بيرانديللو، ومتوقفًا عند نماذج معاصرة مثل فيلم Perfect Strangers ونسخته العربية أصحاب ولا أعز، والندوة التي أقيمت وسط حضور نوعي من المهتمين بالنقد والسينما، ناقشت بجرأة أسئلة شائكة: هل أضعفت «الفورمات» العالمية فرادة العمل الفني؟ وكيف تحولت الذات المعاصرة من «واحد ولا أحد ومئة ألف» إلى كيان تحاصره الإشعارات وشاشات الهواتف؟ وبين المسرح الكلاسيكي والسينما الرقمية، انفتح النقاش على علاقة القناع بالهوية، وعلى الهاتف الذكي بوصفه «الصندوق الأسود» للأنا الحديثة.
 
وبين خشبة مسرح لويجي بيرانديللو وشاشة الهاتف الذكي، مسافةٌ تبدو قصيرة في الشكل، لكنها عميقة في الدلالة. فمن عالم «الهوية المتشظية» في أعمال بيرانديللو، وصولًا إلى لعبة كشف الأسرار في فيلم Perfect Strangers ونسخته العربية أصحاب ولا أعز، يظل السؤال واحدًا: أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ القناع؟
 
هل قتلت قوالب السينما العالمية (Format) روح الفن؟
وهل أصبح الهاتف الذكي هو «الصندوق الأسود» الذي يحمل أسرارنا، ويعيد تشكيل هويتنا، بل ويفضح هشاشة «الأنا» المعاصرة؟
 
استدعت الندوة إرث بيرانديللو، خاصة عالمه الفكري الذي تجلى في أعمال مثل «واحد، لا أحد، ومئة ألف»، حيث تتشظى الذات بين ما تراه عن نفسها وما يراه الآخرون فيها. لكن المفارقة أن قناع اليوم لم يعد قطعة تُرتدى على الخشبة، بل صار شاشة مضيئة في جيب كل منا.
 
فإذا كان بيرانديللو قد فكك «الأنا» الرومانسية وكشف تعدديتها، فإن زمن «الإشعارات» أعاد صياغة هذه التعددية بشكل أكثر قسوة؛ إذ لم نعد فقط «واحدًا ولا أحدًا ومئة ألف»، بل صرنا أسرى لتمثيلات رقمية لأنفسنا، تتبدل وفق عدد الإعجابات ورسائل الدردشة وسجل المكالمات.
 
ناقش صالون Artery إشكالية «الفورمات» العالمية، أي تحويل الفكرة إلى قالب جاهز يُعاد إنتاجه بلغات وثقافات متعددة. ورغم ما تحققه هذه الصيغة من انتشار جماهيري، فإن السؤال النقدي ظل حاضرًا بقوة:هل يصبح العمل الفني نسخة محسنة تقنيًا، لكنه فاقد لروحه المحلية وفرادته الفلسفية؟
 
في هذا السياق، جرى تناول «أصحاب ولا أعز» بوصفه نموذجًا عربيًا لفيلم عالمي ناجح، وبينما حافظ على البناء الدرامي ذاته، برزت أزمة المضمون في مواجهة الفلسفة الأصلية للنص الإيطالي؛ فهل انتقل السؤال الوجودي حول الهوية بعمقه، أم توقف عند حدود الإثارة وكشف الأسرار؟
 
لم يعد الهاتف مجرد وسيلة اتصال، بل تحول إلى «حافظة أسرار» أو بالأحرى «قناع رقمي»، وهو المساحة التي نخفي فيها حقيقتنا، وفي الوقت نفسه الوسيط الذي يفضحنا أمام الآخرين.
 
الندوة قاربت هذه الفكرة بوصف الهاتف «الصندوق الأسود» للهوية المعاصرة؛ يسجل كل شيء: الرغبات، الخيانات، المخاوف، الصور المؤرشفة، والنسخ المتعددة من الذات. هنا تتقاطع فلسفة بيرانديللو مع السينما الحديثة، حيث تنهار صورة «الأنا» المستقرة، وتنكشف هشاشتها في لحظة اختبار جماعي.
 
تفكيك الشفرات… قراءة نقدية معمقة
تحدث في الندوة قامات نقدية رفيعة فككا شفرات الفيلم وحدث اشتباك فكري ثري اتسم بالعمق والجرأة من قبل د. إيمان عز الدين، ود. أشرف راجح، وأدار اللقاء الأستاذ هاني منسي، في حوار اتسم بالعمق والجرأة، وتناول محاور شائكة مثل:
تعددية الذات وسقوط «الأنا» الرومانسية.
إرث بيرانديللو وتجلياته في السينما المعاصرة.
أزمة المضمون في مواجهة «الفورمات» الجاهزة.
أثر التكنولوجيا في إعادة تشكيل الهوية الفردية والجماعية.
بين الفن والسؤال المفتوح
 
خرجت الندوة بسؤال أكبر من أي إجابة:
هل نحن أمام تطور طبيعي للفن في عصر العولمة الرقمية، أم أمام تسطيح للروح الإبداعية تحت ضغط القوالب الجاهزة؟
 
 
أمسية ثقافية (2)
أمسية ثقافية 

أمسية ثقافية (3)
أمسية ثقافية

أمسية ثقافية (4)
أمسية ثقافية (4)

أمسية ثقافية (1)
أمسية ثقافية 
 
وبين مسرح بيرانديللو وشاشة الهاتف، يبقى الخيط الرفيع بين الزيف والحقيقة مشدودًا، ينتظر من الفن أن يعيد مساءلته، ومن النقد أن يواصل كشف طبقاته. ففي زمن تتكاثر فيه النسخ، يظل التحدي الحقيقي هو الحفاظ على فرادة الصوت، وعلى قدرة الفن في أن يكون مرآة صادقة، لا مجرد انعكاس مكرر.
 

اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر