جمال عبد الناصر يكتب : ريهام عبد الغفور ونرجس.. ممثلة تذوب داخل الشخصية

جمال عبد الناصر يكتب عن ريهام عبد الغفور جمال عبد الناصر يكتب عن ريهام عبد الغفور
 
كتب : جمال عبد الناصر

في بعض الأحيان لا يحتاج الأداء التمثيلي إلى صخبٍ كبير كي يلفت الانتباه، بل يكفي أن يكون صادقًا حتى يبلغ القلب مباشرة ، وهكذا تبدو تجربة الفنانة ريهام عبد الغفور في مسلسل "حكاية نرجس"؛ أداء لا يتكئ على الاستعراض، بل على الإيمان العميق بالمهنة، وعلى ذلك الشغف الخفي الذي يجعل الممثل يتعامل مع الشخصية ككائن حيّ يجب أن يُعاش لا أن يُؤدى. منذ اللحظات الأولى ندرك أننا أمام ممثلة لا تكتفي بأن تقف أمام الكاميرا لتقول الحوار، بل تحاول أن تنفذ إلى ما وراء الكلمات، إلى المنطقة الأكثر تعقيدًا في النفس الإنسانية، حيث تتشكل الدوافع الخفية والانكسارات القديمة التي تصنع مصائر البشر.

تظهر ريهام عبد الغفور في هذا العمل بوجه يكاد يخلو من مساحيق التجميل، وكأنها تعلن منذ البداية انحيازها الكامل للحقيقة الدرامية، ليس في الأمر رغبة في التقشف الشكلي بقدر ما هو إيمان بأن الشخصية لا تُبنى من الخارج، بل من الداخل. فـ"نرجس" امرأة خرجت من رحم حياة قاسية، امرأة تعرفت مبكرًا إلى الإهانة التي يمكن أن يوجهها المجتمع إلى امرأة حُرمت من الإنجاب، ولذلك فإن ملامحها المتعبة ونظراتها المشدودة تبدو كأنها تحمل آثار تلك الجروح القديمة. هنا لا يصبح الوجه مجرد وسيلة تعبير، بل مساحة كاملة لقراءة التاريخ النفسي للشخصية.

  • ريهام عبد الغفور.. ممثلة تعرف كيف تسكن روح الشخصية

ما يميز أداء ريهام عبد الغفور أنها تتعامل مع الدور بوصفه رحلة طويلة داخل روح إنسان آخر. فالممثلة هنا لا تؤدي الشر في صورته المباشرة، بل تكشف كيف يمكن للألم حين يتراكم أن يتحول تدريجيًا إلى قسوة. في كثير من المشاهد لا تحتاج الشخصية إلى أن تقول شيئًا؛ فالعينان وحدهما تحملان العبء كله. نظرة سريعة، ارتباك عابر، أو صمت طويل يكفي ليكشف ما يعتمل في داخل "نرجس" من صراع بين امرأة تريد أن تثبت وجودها بأي ثمن، وإنسانة يطاردها شعور دائم بالهشاشة والتهديد.

ومن هنا تكتسب الشخصية قوتها الدرامية. فـ"نرجس" ليست شريرة تقليدية، بل إنسانة دفعتها الحياة إلى زاوية مظلمة. حين تتعرض للطلاق بسبب عدم الإنجاب، لا تخسر زوجًا فقط، بل تخسر الاعتراف الاجتماعي بها كامرأة مكتملة. وفي مجتمع يربط قيمة المرأة بقدرتها على الأمومة، يصبح الحرمان من الإنجاب حكمًا قاسيًا بالعزلة والوصم. هذه اللحظة هي الشرارة الأولى التي تفتح الباب أمام التحول النفسي للشخصية؛ فبدل أن تستسلم للهزيمة، تقرر أن تعيد كتابة الواقع بطريقتها الخاصة، حتى لو كان الثمن هو الانزلاق إلى عالم الخداع والجريمة.

  • ريهام عبد الغفور… حين يصبح التمثيل فعل حب للمهنة

إن الأداء الذي تقدمه ريهام عبد الغفور يجعلنا نرى هذا التحول لا بوصفه قفزة مفاجئة، بل مسارًا إنسانيًا متدرجًا. فالممثلة تبني الشخصية طبقة بعد أخرى، وكأنها تنحتها ببطء شديد. نلمح في البداية امرأة مكسورة، ثم امرأة خائفة من تكرار الإهانة، ثم امرأة مستعدة لأن تختلق واقعًا بديلًا كي تحمي نفسها من السقوط مرة أخرى. وحين تصل الشخصية إلى ذروة انحرافها، لا تبدو مجرد مجرمة، بل إنسانة ضلت الطريق في محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من كرامتها.

وفي هذا المسار كله يبدو واضحًا مقدار الإخلاص الذي تحمله ريهام عبد الغفور لمهنتها. فالممثلة التي تحب التمثيل حقًا لا تبحث عن الأدوار التي تلمع صورتها، بل عن الشخصيات التي تختبر قدرتها على الغوص في أعماق النفس البشرية. لذلك تبدو "نرجس" هنا وكأنها حياة كاملة تعيشها الممثلة، لا مجرد دور عابر في مسلسل. إنها تعيش التفاصيل الصغيرة للشخصية، طريقة النظر، إيقاع الحركة، لحظات الصمت، وحتى ذلك التوتر الخفي الذي يمر أحيانًا عبر ملامح الوجه دون أن يُقال في الحوار.

  • ريهام عبد الغفور.. حين يصبح الأداء رحلة داخل النفس الإنسانية

هكذا يتحول الأداء إلى نوع من التماهي العميق بين الممثلة والشخصية؛ علاقة لا تقوم على التقليد بل على الفهم. فريهام عبد الغفور لا تقدم "نرجس" من الخارج، بل تسكنها من الداخل، تمنحها نبضًا إنسانيًا يجعلها قابلة للتصديق حتى في أكثر لحظاتها قسوة. وربما هنا يكمن سر تأثير هذا الأداء؛ فهو يضعنا أمام شخصية نخافها ونتعاطف معها في الوقت نفسه، شخصية تكشف كيف يمكن لجرح صغير في الروح أن يتحول، مع الزمن، إلى مصير كامل.

بهذا الحضور الهادئ والعميق تؤكد ريهام عبد الغفور مرة أخرى أنها من الممثلات اللواتي لا يتعاملن مع التمثيل بوصفه مهنة فقط، بل بوصفه فعل حب حقيقي للفن. فالموهبة وحدها لا تكفي لصنع هذا النوع من الأداء، بل يحتاج الأمر إلى إخلاص طويل للشخصيات، وإلى شغف يجعل الممثل قادرًا على أن يترك نفسه قليلًا ليعيش حياة الآخرين. وفي "حكاية نرجس" يبدو واضحًا أن ريهام عبد الغفور فعلت ذلك تمامًا؛ تركت نفسها خلف الكاميرا، وسمحت للشخصية بأن تتقدم وحدها إلى الضوء.

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر