ربما تكمن القيمة الأعمق لسلسلة «الخلافة الإسلامية في 1000 عام»، التي يقدمها الكاتب الصحفي والباحث المتخصص في العلاقات الدولية سيد جبيل، ويستضيف فيها الدكتور إبراهيم العسال، أستاذ التاريخ في جامعات مصرية وإسبانية، وعضو لجنة التراث الثقافي بالاتحاد الأندلسي في إسبانيا، في أنها تعيد فتح الباب أمام الدراما العربية كي تقترب أخيرًا من التاريخ الحقيقي؛ لا ذلك التاريخ المسطّح الذي تُختزل فيه الأمم إلى شعارات، ولا التاريخ المؤدلج الذي يُروى بمنطق الأبيض والأسود، بل التاريخ بوصفه حياة كاملة نابضة بالبشر، بالصراعات، بالطموحات، بالخيانة، وبالأحلام التي صنعت العالم ثم انهارت فوق أصابع أصحابها.
الحكايات التي يرويها الدكتور إبراهيم العسال داخل هذه السلسلة تبدو وكأنها مادة خام لدراما عربية كبرى لم تُكتب بعد؛ ففيها ما يفوق الخيال ثراءً وإثارة: صراع على السلطة، وانقلابات، ومكائد سياسية، وقلوب بشرية تتأرجح بين الإيمان والطموح، وبين البطولة والسقوط. إنها حكايات لا تحتاج إلى اختراع، لأن التاريخ نفسه كان دائمًا أكثر إدهاشًا من أي خيال.
كم أتمنى أن يقترب كاتب درامي عربي من هذا البحر الهائل من المعرفة، وأن ينصت جيدًا إلى تلك التفاصيل المنسية التي تصنع روح التاريخ لا شكله فقط، أو حتى أن يستعين بمنهج الدكتور العسال العلمي ورؤيته الدقيقة في كتابة أعمال درامية كبرى عن تلك الفترات المدهشة من تاريخنا؛ لأن تاريخنا لا يعاني فقر الحكايات، بل يعاني ندرة من يعرف كيف يرويها بصدق، ووعي، وعمق إنساني حقيقي.
في زمنٍ تتكاثر فيه الحكايات السريعة، وتُختزل فيه وقائع التاريخ إلى مقاطع عابرة وشعارات جاهزة، تبدو بعض التجارب المعرفية وكأنها محاولة جادة لاستعادة العقل العربي إلى فضاء السؤال والتأمل والقراءة العميقة. ومن بين هذه التجارب اللافتة، تأتي حلقات «الخلافة الإسلامية في 1000 عام» التي يقدمها سيد جبيل بصحبة الدكتور إبراهيم العسال، أستاذ التاريخ في جامعات مصرية وإسبانية، وعضو لجنة التراث الثقافي بالاتحاد الأندلسي في إسبانيا.
هذه الثنائية الفكرية تبدو أقرب إلى رحلة طويلة داخل دهاليز الزمن، لا بهدف استدعاء الماضي فقط، بل لفهم الحاضر أيضًا. فالحلقات لا تقدم سردًا تقليديًا للتاريخ الإسلامي، بل تحاول إعادة قراءة التاريخ عبر “خط السلطة”؛ كيف قامت الدول؟ كيف انتقلت الخلافة؟ كيف تشكلت الصراعات؟ وكيف لعب البشر، بكل ضعفهم وطموحاتهم وأخطائهم، أدوارهم داخل المشهد السياسي والديني والاجتماعي؟
ما يقدمه سيد جبيل يتجاوز دور المحاور التقليدي؛ فهو يدخل إلى قلب الحكاية بأسئلته وتأملاته ومداخلاته، كأنه يفتح أبوابًا سرية داخل الرواية التاريخية، بينما يأتي الدكتور إبراهيم العسال محمّلًا بذاكرة واسعة من المصادر والروايات والمراجع، يسرد ويحلل ويفكك ويقارن، دون أن يقع في فخ الأحكام المطلقة أو الرواية الواحدة المغلقة.
وما يميز الدكتور العسال حقًا، أنه لا يتعامل مع التاريخ باعتباره “حقيقة نهائية”، بل بوصفه علمًا له رواة وسياقات ومصالح، تمامًا كما هو الحال في علم الحديث؛ هناك سند قوي، ورواية ضعيفة، ومؤرخ كتب بدافع السياسة، وآخر بدافع الانتصار أو الخوف أو التحيز. لذلك تأتي الحلقات ممتلئة بروح الباحث الحقيقي، الذي يضع الروايات أمام المتلقي، ثم يشرح سياقاتها، ويفكك دوافعها، ويترك للعقل حريته الكاملة في التأمل والفهم.
إنها متعة معرفية نادرة… أن ترى التاريخ وهو يُروى لا باعتباره نصًا جامدًا محفوظًا في الكتب، بل كائنًا حيًا يتنفس بالصراعات والتناقضات والضعف الإنساني. مع كل حلقة، لا يشعر المشاهد أنه يتلقى درسًا أكاديميًا جافًا، بل يعيش داخل زمن آخر؛ يسمع أصوات الخلفاء والقادة والعلماء والجنود، ويرى كيف كانت تُصنع القرارات الكبرى، وكيف تبدّلت خرائط العالم الإسلامي عبر القرون.
والحقيقة أنني أنتظر هذه الحلقات بشغفٍ حقيقي، لأنها تمنحني ذلك الإحساس النادر بأن التاريخ ما يزال قادرًا على الإدهاش. ففي كل مرة أظن أنني أعرف الحكاية، أكتشف زاوية جديدة للرؤية، أو رواية أخرى، أو تفصيلًا صغيرًا يعيد ترتيب المشهد كله من جديد.