ليس أخطر ما يواجه تاريخ المسرح أن تضيع نصوصه، بل أن تضيع ذاكرته. فهناك عروض عاشت سنوات قليلة فوق الخشبة، ثم غابت، حتى كادت الأجيال الجديدة تظن أنها لم تكن موجودة أصلًا، ولهذا يصبح التوثيق فعلًا من أفعال الوفاء، ومحاولة لإنقاذ ما تبقى من روح المسرح المصري، قبل أن تبتلعه السنوات، ومن بين هذه الكنوز المنسية تبرز مسرحية "شنطة الهانم"، التي قدمتها فرقة بديعة مصابني عام 1938، في زمن ازدهار ما عُرف بـ"مسرح الصالات"، ذلك المسرح الذي كان يصنع البهجة كل ليلة، ويمنح الجمهور الضحك والغناء والاستعراض في وجبة فنية واحدة.
كتب المسرحية الكاتب الكبير أبو السعود الإبياري، أحد أهم صناع الكوميديا في مصر، وقامت ببطولتها بديعة مصابني، ومعها محمد كمال المصري (شرفنطح)، وفتحية شريف، وعبد الفتاح القصري، وهي أسماء صنعت جزءًا مهمًا من وجدان المسرح المصري في تلك الفترة، ولا نعرف من أخرجها ويبدو أن مهنة المخرج في مسرح الصالات لم تكن موجودة كان كل ممثل يخرج لنفسه أو تخرجها بديعة بنفسها كبطلة ومعها ممثلين يقدمون ما يسمي بالنمر أو الاسكتشات.

جمال عبد الناصر يكتب عن مسرح الصالات
ولكي نفهم قيمة هذا العرض، علينا أولًا أن نفهم طبيعة "مسرح الصالات". فلم تكن عروض كازينو بديعة مصابني تعتمد على المسرحية التقليدية ذات الفصول الطويلة والبناء الدرامي المعقد، بل كانت تقوم على الإسكتشات الساخرة، والمواقف الكوميدية السريعة، والاستعراضات الغنائية، والفواصل الراقصة، بحيث تتحول الليلة المسرحية إلى احتفال متكامل يجمع الضحك والطرب والفرجة.
وسط هذا المناخ جاءت "شنطة الهانم" بفكرة تبدو بسيطة، لكنها شديدة الذكاء. حقيبة تخص إحدى سيدات الطبقة الأرستقراطية تضيع أو تتبدل، لتقع في يد شخص بسيط، فتبدأ سلسلة لا تنتهي من سوء الفهم والمطاردات والمفارقات الكوميدية. داخل الحقيبة مجوهرات وأغراض تثير الشكوك، فيجد البطل نفسه ممزقًا بين رغبته في إعادة الأمانة، وخوفه من أن يُتهم بالسرقة، بينما يطارده أصحاب الحقيبة في سباق لا يخلو من الضحك.
كانت هذه الفكرة مجرد ذريعة درامية تسمح لأبي السعود الإبياري بأن يطلق العنان لخياله الكوميدي، فتتوالى المونولوجات الساخرة، والأغاني الخفيفة، والاستعراضات التي كانت تقدمها بديعة مصابني وفرقتها، حتى تنتهي الأحداث نهاية احتفالية، يعود فيها كل شيء إلى أصحابه، وينتصر الضحك على التعقيد.

بديعة مصابني
ولم يكن أبو السعود الإبياري مجرد كاتب لهذه المسرحية، بل كان واحدًا من أعظم صناع الضحك في القرن العشرين. كتب مئات المونولوجات التي حفظها الجمهور عن ظهر قلب، وكان وراء عدد كبير من الأعمال التي صنعت نجومية إسماعيل ياسين، ومن أشهرها مونولوجاته : "السعادة" و"عنتر" و"يا اللي تملي تشكي" و"صاحب السعادة"، التي مزج فيها بين النقد الاجتماعي وخفة الظل، فحول المونولوج إلى فن قائم بذاته.
أما بديعة مصابني، فلم تكن مجرد راقصة أو نجمة استعراض، كما يحاول البعض اختزالها، بل كانت مؤسسة ثقافية وفنية حقيقية. فعندما أنشأت كازينو بديعة، الذي تنقل بين حديقة الأزبكية وشارع عماد الدين، لم تكن تؤسس مسرحًا فحسب، وإنما كانت تبني مدرسة كاملة للفنون، جمعت الغناء والرقص والتمثيل والكوميديا تحت سقف واحد.
ومن هذه المدرسة خرجت أسماء أصبحت فيما بعد علامات مضيئة في تاريخ الفن العربي؛ فمنها بدأ إسماعيل ياسين رحلته كمونولوجيست قبل أن يصبح نجمًا للسينما، ومنها انطلق فريد الأطرش عازفًا ومطربًا شابًا، وغنت على خشبتها أسمهان في بداياتها، ومنها خرجت تحية كاريوكا وسامية جمال لتصبحا من أشهر نجمات الرقص في العالم العربي.
لهذا لا تبدو "شنطة الهانم" مجرد مسرحية كوميدية عن حقيبة ضائعة، بل تبدو شاهدًا على مرحلة كاملة من تاريخ المسرح المصري، مرحلة كانت الخشبة فيها مصنعًا للنجوم، وكانت الكوميديا وسيلة ذكية لنقد المجتمع، وكانت الأغنية والاستعراض جزءًا أصيلًا من البناء الدرامي، لا مجرد فاصل للترفيه.
وربما لا نملك اليوم تسجيلًا كاملًا لهذا العرض، لكننا نملك ما هو أهم؛ نملك الإيمان بأن هذه الأعمال تستحق أن تُروى، وأن تُستعاد، وأن تبقى حية في ذاكرة المسرح المصري. فالأمم لا تحفظ تاريخها بالحجارة وحدها، وإنما تحفظه أيضًا بالعروض التي أضحكت الناس، وبالمسرحيات التي صنعت نجومًا، وبالفنانين الذين آمنوا بأن الخشبة قادرة على أن تصنع حضارة كاملة... حتى لو بدأت الحكاية كلها من شنطة.