" الأغنية.. في رواية أخرى " كتاب لمحمود الحلواني يفتح ملف الأغنية من زاوية جديدة

" الأغنية.. في رواية أخرى " كتاب لمحمود الحلواني " الأغنية.. في رواية أخرى " كتاب لمحمود الحلواني
 
كتب : جمال عبد الناصر

 

  • الكتاب يفكك "حراس البوابات" ويتساءل: من يملك مفاتيح الغناء المصري؟

     

"الأغنية.. في رواية أخرى" كتاب جديد للشاعر والناقد محمود الحلواني، صدر مؤخرًا عن مؤسسة يسطرون للطباعة والنشر والتوزيع، بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون – آفاق. الكتاب يفتح ملف الأغنية من زاوية تتجاوز سؤال الجودة الفنية إلى سؤال أكثر إلحاحًا: كيف صُنعت الأغنية؟ ومن قرر ما يصل منها إلى الجمهور، وما الذي يبقى خارج المتن؟

في «الأغنية.. في رواية أخرى» لا يتعامل الحلواني مع الأغنية بوصفها نصًا فنيًا قائمًا بذاته، وإنما يضعها داخل سياقها الاجتماعي والثقافي والتاريخي، باحثًا في شبكة القوى والمؤسسات والوسائط التي أسهمت في تشكيلها. ومن هنا يأتي مفهوم «حراس البوابات» الذي يشكل أحد المفاتيح الأساسية للكتاب؛ أولئك الذين يملكون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، القدرة على تحديد ما يُقبل وما يُرفض، وما يعبر إلى الجمهور وما يستبعد.

وينطلق المؤلف من أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تقود إلى قراءة مختلفة تمامًا لتاريخ الغناء: من أنتج الأغنية؟ ولماذا؟ ولمن؟ ولماذا تنتشر أغنية دون غيرها في لحظة تاريخية بعينها؟ وكيف يؤثر الجمهور في الفن، وكيف يؤثر الفن في جمهوره؟ وهي أسئلة يرى الكتاب أن المقاربات التقليدية كثيرًا ما تجاوزتها، حين انشغلت بالعناصر الجمالية والفنية للأغنية أكثر من انشغالها بالسياق الذي أفرزها.

ويشتبك الكتاب مع روايتين متعارضتين سادتا في النظر إلى الأغنية؛ الأولى يصفها بـ «جلد الذات»، وتقوم على إبراز مظاهر الضعف والتراجع في تاريخ الأغنية، بينما تميل الثانية، التي يضعها المؤلف تحت عنوان «مدينة السحر»، إلى تقديس الغناء ورموزه وإبعادهم عن المساءلة الاجتماعية والسياسية والثقافية، ولا يختار الحلواني واحدة من الروايتين، بل يحاول الإفلات من أسرهما معًا، مؤكدًا أن الحاجة تقتضي مقاربة جديدة لا تكتفي بالحكم على الأغنية، وإنما تبحث في السؤال الأهم: لماذا كانت الأغنية كذلك؟

ومن هنا يقترح الكتاب «سردية بديلة»، ترى أن الصورة أكثر تعقيدًا مما تقدمه الروايات الجاهزة؛ سردية لا تدين الفنان ولا تقدسه، ولا تنتقص من شأن الغناء ولا ترفعه فوق سياقه، بل تعيده إلى موقعه باعتباره منتجًا اجتماعيًا يتشكل داخل سياق تاريخي وثقافي، مع خصوصيته وقدرته الاستثنائية على مخاطبة الوجدان.

من سيد درويش إلى أحمد رامي.. ومن الإذاعة إلى الكاسيت

وعبر مجموعة من الفصول، يتتبع الكتاب تحولات المتن الغنائي وعلاقته بمؤسسات ووسائط مختلفة؛ فيبدأ بـ «حارس البوابة وصناعة المتن الغنائي»، ويتوقف عند ثنائية «جلد الذات» و«مدينة السحر»، ثم ينتقل إلى «حراس البوابة وسر الطبخة»، والعلاقة بين الجامعة الشعبية وإعلام الجماهير، قبل أن يناقش الغناء في علاقته بالشعر، والتحول من الشعر المغنى إلى الأغنية المعاصرة، وسلطة النجم، وصولًا إلى الإذاعة بوصفها أحد أهم حراس البوابات.

ويتوقف الحلواني عند عدد من التجارب والأسماء التي تكشف طبيعة هذه العلاقة، من الشيخ يونس القاضي إلى بديع خيري وسيد درويش، ومن أحمد رامي إلى الإذاعة المصرية، مستعينًا بهذه النماذج لا لإعادة كتابة سير أصحابها، وإنما للكشف عن الآليات التي شاركت في تشكيل صورة الأغنية التي استقرت في الذاكرة العامة.

ثم ينتقل الكتاب إلى مرحلة أخرى مع الكاسيت، الذي يراه مساحة أسهمت في «تحرير الهوامش»، ويفتح من خلالها ملف الشاعر حسن أبو عتمان، بوصفه نموذجًا لشاعر كبير طرده المتن، فوجد في الهامش مساحة لاستعادة صوته وحضوره.

وهكذا يبدو أن السؤال المركزي في «الأغنية.. في رواية أخرى» ليس: أي الأغاني أفضل؟ وإنما: من صنع ذائقتنا الغنائية؟ ومن امتلك حق المرور إلى الذاكرة الجماعية؟ ومن بقي خارجها؟

إنها محاولة لقراءة الأغنية المصرية باعتبارها ظاهرة ثقافية واجتماعية، لا مجرد نصوص وألحان وأصوات؛ قراءة تستدعي المؤسسة والإعلام والجمهور والنجم والشاعر، وتضع الجميع داخل شبكة واحدة من العلاقات التي أسهمت في صناعة «المتن» وترك «الهامش» خارج دائرة الضوء.

واحتفل الكاتب والناقد محمود الحلواني خلال ندوة ومناقشة لكتابه بحضور الشاعر والباحث د. مسعود شومان والناقد والكاتب الصحفى  يسري حسان، في لقاء ثري ناقش الكتاب وما يطرحه من أسئلة حول الأغنية؛ كيف تُصنع؟ ومن يحدد ما يصل منها إلى الجمهور؟ وما الذي يبقى خارج المتن؟

 

 

 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر