جمال عبد الناصر يكتب : أكثر من رابعة.. فأيُّ رابعة نصدق؟

 
كتب : جمال عبد الناصر

رابعة العدوية.. ما بين المسرح والتاريخ والتصوف والسينما..

ثمة شخصيات في التاريخ لا تنتهي سيرتها بانتهاء زمنها، ولا تبقى أسيرة الكتب والمرويات، وإنما تعبر من عصر إلى عصر، ومن فن إلى فن، حاملة معها سؤالًا إنسانيًا يتجدد كلما أعيد اكتشافها، ومن بين هذه الشخصيات تأتي شخصية رابعة العدوية؛ تلك المرأة التي خرجت من حدود الحكاية التاريخية لتصبح واحدة من أكثر الشخصيات الروحية والفنية حضورًا في الوجدان العربي، حتى غدت سيرتها مادة خصبة للسينما والتليفزيون والإذاعة والمسرح، وتنافست فنانات كثيرات على الاقتراب من عالمها، كل واحدة منهن من زاوية مختلفة.

رابعة ليست مجرد عابدة زاهدة بالمعنى التقليدي، وإنما شخصية درامية شديدة التعقيد؛ امرأة انتقلت من قسوة الواقع إلى رحابة الروح، ومن أسر الدنيا إلى حرية المحبة، حتى أصبح الحب الإلهي عندها ليس فكرة مجردة، وإنما موقفًا من الحياة والوجود والإنسان، ولهذا تحديدًا كان المسرح، بفعل طبيعته القائمة على المواجهة والحضور الحي، أكثر الفنون قدرة على تحويل رابعة من شخصية تاريخية إلى كائن درامي يواجه الآخرين ويواجه ذاته في الوقت نفسه.

المحطة الأولي عام 1957 مع أم كلثوم و سيدة المسرح ..

لم تبدأ رحلة رابعة العدوية على خشبة المسرح، وإنما سبقتها الإذاعة، وكان عام 1957  محطة مبكرة في هذه الرحلة، حين ارتبطت الشخصية بصوت الفنانة سميحة أيوب، فعندما استمعت أم كلثوم لصوت سميحة أيوب قالت : سميحة أفضل من يقدم رابعة، فقدمتها في الإذاعة ، ثم في المسرح فيما بعد، من خلال مسرحية رابعة العدوية من تأليف الكاتب يسري الجندي وإخراج شاكر عبد اللطيف، وجسدت سميحة أيوب شخصية رابعة، وشاركها البطولة يوسف شعبان إلى جانب عدد من نجوم المسرح المصري، وتوثق المصادر المسرحية عرض العمل عام 1980.

لم تكن سميحة أمام شخصية عادية يمكن التعامل معها من خلال الأداء الخارجي؛ فرابعة شخصية لا تعتمد على الحركة بقدر اعتمادها على الحضور، ولا تستمد قوتها من الصراع المادي وإنما من الصراع الداخلي، وهنا تظهر قيمة الاختيار الفني لسميحة أيوب؛ فالممثلة التي تمتلك صوتًا مسرحيًا قويًا وحضورًا صارمًا كان عليها أن تجعل من هذا الحضور وسيلة للزهد لا للسطوة، وأن تحول قوة الأداء إلى قوة روحية، وكان التحدي الحقيقي أمام أي ممثلة تؤدي رابعة هو ألا تجعلها مجرد قديسة ساكنة، لأن المسرح لا يحتمل الشخصيات التي لا تتحرك دراميًا، وإنما أن تمنح الزهد ذاته فعلًا مسرحيًا، وأن تجعل الصمت موقفًا، والكلمة كشفًا، والابتعاد عن الدنيا فعلًا دراميًا.

 

رابعة زهرة العاشقين.. مع عفاف شعيب وريهام عبدالحكيم

وفي تجربة مسرحية أخرى حملت اسم " رابعة زهرة العاشقين "، ظهرت معالجة مختلفة للشخصية، إذ تقاسمت عفاف شعيب وريهام عبد الحكيم تجسيد رابعة في مرحلتين عمريتين، وكانت ريهام عبد الحكيم، في مقتبل تجربتها الفنية، تؤدي رابعة في مرحلة الصبا، مستفيدة من قدرتها الغنائية، بينما تولت عفاف شعيب الجانب التمثيلي للشخصية في مرحلة النضج والزهد والعبادة، وهنا يصبح تقسيم الشخصية بين ممثلة شابة وممثلة أكثر نضجًا من مجرد حيلة مسرحية؛ فهو يعكس انتقال رابعة نفسها من الإنسان الذي يبحث عن المعنى إلى الإنسان الذي وجد المعنى.

ريهام جاءت بصوت الشباب والبراءة والغناء، بينما جاءت عفاف بطاقة التجربة والنضج والوعي الدرامي، وكأن رابعة على الخشبة لم تكن امرأة واحدة، وإنما رحلة عمر كاملة، وتكتسب مشاركة ريهام عبد الحكيم خصوصية إضافية؛ لأنها لم تقدم الشخصية بالتمثيل فقط، وإنما حملت جانبها الغنائي أيضًا، وهو أمر شديد الأهمية في شخصية ارتبط حضورها في الذاكرة العربية بالإنشاد والتأمل والحكمة الصوفية، وتؤكد السيرة الفنية لريهام عبد الحكيم مشاركتها في (رابعة زهرة العاشقين) وتجسيدها رابعة في صغرها.

إذا تأملنا النماذج المختلفة التي جسدت رابعة، سنكتشف أن كل ممثلة لم تكن تقدم الشخصية نفسها تمامًا، وإنما كانت تقدم قراءتها الخاصة لرابعة، فسميحة أيوب قدمت رابعة من منطقة المسرح الجاد، حيث الكلمة والصراع الفكري والحضور الروحي، وعفاف شعيب اقتربت منها من منطقة النضج الإنساني، حيث تصبح الزهادة نتيجة رحلة وتجربة، أما ريهام عبد الحكيم فاستعادت رابعة الشابة، وربطت الشخصية بالغناء والإنشاد، فبدت رابعة في بداياتها وكأنها لم تصل بعد إلى السكينة النهائية، وإنما ما زالت في طريق البحث، وهذه هي قوة الشخصية التراثية حين تكون حقيقية دراميًا، فهي تسمح لأكثر من فنان أن يكتشف فيها وجهًا جديدًا دون أن يفقدها جوهرها.

رابعة في السينما..

وقبل أن نستكمل رحلة رابعة على الشاشة الصغيرة، لا يمكن المرور على الشخصية من دون التوقف، ولو سريعًا، أمام السينما، ففي عام 1962  ظهرت عايدة هلال في فيلم " شهيدة الحب الإلهي"، أمام رشدي أباظة، وقدمت شخصية رابعة العدوية، بينما شاركت المطربة الراحلة سعاد محمد بالغناء في الفيلم، وتتناول أحداث الفيلم رحلة رابعة منذ بداياتها القاسية وصولًا إلى التحول نحو العبادة والتصوف، وبعدها بعام جاءت نبيلة عبيد في فيلم رابعة العدوية (1963) ، في تجربة أصبحت من أشهر التجسيدات السينمائية للشخصية، وكانت من المحطات المبكرة المهمة في مسيرة نبيلة عبيد السينمائية، وهكذا انتقلت رابعة في السينما من عايدة هلال إلى نبيلة عبيد، كما انتقلت من الشاشة الكبيرة إلى المسرح، لتثبت أن الشخصية لم تكن مرتبطة بممثلة واحدة، وإنما كانت أكبر من كل تجسيد.

 

رابعة تعود.. ولكن هذه المرة كطيف

وفي التسعينيات عاد اسم رابعة العدوية إلى الدراما التليفزيونية من خلال مسلسل رابعة تعود، الذي عُرض عام 1996، من تأليف يسري الجندي وأشعار سيد حجاب وإخراج صفوت القشيري، لكن المفارقة الجميلة أن رابعة لم تكن هنا مجرد بطلة تقليدية، فقد ظهرت الشخصية في العمل بوصفها حضورًا روحيًا ينعكس على البطلة المعاصرة بدر، التي جسدتها إيمان الطوخي، وتتشابه حياتها وتجربتها مع عالم رابعة، وهكذا تحولت رابعة من شخصية تاريخية إلى مرآة؛ لا تعيش فقط في زمنها، وإنما تعود لتسأل الإنسان المعاصر عن معنى الاختيار، وعن قدرته على مقاومة عالم المادة، وعن إمكانية أن يجد الإنسان خلاصه الداخلي في زمن مزدحم بالضجيج، فإيمان الطوخي أدت شخصية « بدر»، بينما كانت رابعة محور الحكاية التاريخية التي تدور حولها الأحداث.

ربما تكمن عظمة رابعة العدوية فنيًا في أنها لم تدخل التاريخ باعتبارها امرأة عاشت فقط، وإنما باعتبارها فكرة قابلة لإعادة التأويل، فكل زمن يراها بطريقة مختلفة، والسينما رأت فيها الحكاية والعاطفة والتحول،  والإذاعة اكتشفت سحر صوتها، والمسرح بحث في صراعها الداخلي وفي علاقتها بالآخرين، والتليفزيون أعادها بوصفها طيفًا روحيًا قادرًا على مخاطبة الإنسان المعاصر.

أما الممثلات اللواتي جسدنها، فلم يكنّ مجرد مؤديات لدور تاريخي، وإنما كنّ في كل مرة يضعن أنفسهن أمام سؤال بالغ الصعوبة، وهو ( كيف يمكن لممثلة أن تؤدي امرأة تجاوزت في حياتها حدود الأداء؟ )، وهنا بالضبط تكمن قيمة رابعة العدوية بوصفها واحدة من «كنوز المسرح المصري»؛ فالشخصية التي بدأت حكايتها في التاريخ كعابدة زاهدة، أصبحت في الفن المصري مساحة مفتوحة للتأويل، تتغير ملامحها من ممثلة إلى أخرى، ومن عصر إلى عصر، بينما يبقى جوهرها ثابتًا.

لكن رابعة العدوية التي عرفناها على الشاشة ليست بالضرورة رابعة التي عرفتها كتب التراث، وهنا تبدأ المنطقة الأكثر إثارة في حكاية هذه الشخصية؛ فالفن، حين يقترب من التاريخ، لا يكتفي دائمًا بنقل ما حدث، وإنما يبحث عن الدراما الكامنة فيما حدث، وقد يضيف إليها ما يراه ضروريًا لصناعة الصراع والحكاية، ولعل فيلم رابعة العدوية الذي قدمت فيه نبيلة عبيد واحدة من أشهر شخصياتها السينمائية، هو المثال الأوضح على هذه المسافة بين رابعة التاريخ ورابعة السينما، فالصورة التي قدمتها السينما عن رابعة في بدايات حياتها اتجهت إلى رسم شخصية شابة غارقة في اللهو والمجون، قبل أن تنقلب حياتها بصورة درامية حادة من عالم المتعة إلى عالم العبادة والتصوف، وهي معالجة سينمائية توفر بطبيعتها مادة شديدة الجاذبية؛ إذ تمنح الشخصية «ماضيًا» دراميًا ثم تجعل التوبة نقطة التحول الكبرى في الحكاية.

لكن المشكلة تبدأ عندما نتعامل مع هذا البناء السينمائي باعتباره وثيقة تاريخية، فالروايات التراثية الأشهر عن رابعة العدوية تقدم صورة مختلفة في جوهرها؛ فهي ابنة بيت فقير، عاشت طفولة قاسية، وعرفت اليتم والعبودية بعد أن بيعت في ظروف الفقر، ثم تحولت حياتها إلى نموذج للزهد والعبادة والعشق الإلهي، وتروي المصادر الصوفية حكايات كثيرة عن شدة عبادتها وقيامها الليل، وعن اللحظة التي أدرك فيها سيدها خصوصية حالها الروحي فأعتقها.

لماذا احتاجت السينما إلى اختراع ماضٍ مختلف لرابعة؟

وبعيدًا عن اختلاف الروايات التاريخية وتداخل الأسطورة بالموروث الصوفي، لا نجد في الصورة التراثية المستقرة لرابعة ذلك النموذج السينمائي لامرأة عاشت حياة المجون والرقص وشرب الخمر ثم تابت، وهنا يصبح السؤال النقدي أكثر أهمية من مجرد البحث عن الحقيقة والخطأ : لماذا احتاجت السينما إلى اختراع ماضٍ مختلف لرابعة؟

الإجابة ربما تكمن في طبيعة السينما ذاتها؛ فالتوبة في الدراما تحتاج إلى خطيئة، والتحول يحتاج إلى نقيض، والنور يبدو أكثر سطوعًا عندما يخرج البطل من الظلام، وهكذا صنعت السينما مفارقتها الدرامية : امرأة تبدأ من أقصى الأرض ثم تصعد إلى أقصى السماء، لكن هذه المفارقة، على قوتها السينمائية، جاءت على حساب الشخصية التاريخية؛ لأن رابعة لم تكن في الموروث الصوفي امرأة احتاجت إلى حياة ماجنة كي تكتشف طريق الله، وإنما كانت صورتها الأهم صورة العابدة التي جعلت الحب الإلهي فلسفة حياة، والمسرح حينما قدم رابعة كان أكثر انصافا من السينما ، فلم تكن الإثارة هي الهدف الأول، وإنما كان الاهتمام منصبًا على عالم رابعة الداخلي؛ على الزهد، والعشق الإلهي، والصراع الروحي، والأسئلة التي يطرحها الإنسان حين يتحرر من أسر المادة ويتجه إلى المطلق.

وهكذا أصبح لدينا أكثر من رابعة.. رابعة التي تحفظها كتب التراث.. ورابعة التي نسجتها المخيلة الصوفية.. ورابعة التي صنعتها السينما.. ورابعة التي حاول المسرح أن يمنحها جسدًا وصوتًا وحضورًا حيًا.. وهذا التعدد لا يقلل من قيمة الشخصية، بل يكشف قدرتها الاستثنائية على مقاومة القراءة الواحدة، فلو كانت رابعة مجرد شخصية تاريخية محدودة الملامح، لانتهت حكايتها عند صفحات الكتب، لكنها تحولت إلى مرآة فنية؛ كل عصر يرى فيها ما يبحث عنه، فالسينما بحثت عن التوبة والتحول، والمسرح بحث عن العشق والصراع الروحي، والتليفزيون بحث عن قدرتها على مخاطبة الإنسان المعاصر، أما رابعة نفسها، فتظل في النهاية أكبر من كل هذه الصور؛ لأن جوهرها لم يكن في الحكايات التي قيلت عنها، وإنما في السؤال الذي تركته خلفها: هل يمكن للإنسان أن يحب الله حبًا خالصًا، لا خوفًا من النار ولا طمعًا في الجنة، وإنما لأن الحب نفسه أصبح غايته؟

وربما لهذا السبب تحديدًا لم تمت رابعة العدوية.. ماتت المرأة منذ قرون، لكن رابعة الفكرة ما زالت حية؛ تظهر كلما أضاء المسرح، وكلما فتحت الكاميرا عدستها، وكلما حاول فنان أن يرسم على الشاشة أو الخشبة صورة امرأة جعلت من الحب الإلهي قضية عمر كامل.

 

 

 

 

 


اضف تعليق
لا توجد تعليقات على الخبر